فهرس الكتاب

الصفحة 1115 من 1285

قال: توليهم: ماتركوا من كتاب الله] [1] . وهذا الكلام يبيّن بجلاء أن مناط التكفير في آية المائدة هو مجرد ترك الحكم بما أنزل الله لاجحده، لأن الذين أنزلت فيهم الآيات كانوا - كما قال الطبري - [يقرون بها أنها حق ... يعلمون ذلك لايتناكرونه] . فالتولي والترك شيء والجحد أو التكذيب شيء آخر - لأن الجحد هو التكذيب الظاهر باللسان كما أسلفت - وفي بيان الفرق بين التولي والتكذيب وأنهما أمران مختلفان قال ابن تيمية رحمه الله: [و «التولي» هو التولي عن الطاعة، كما قال تعالى (سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَاسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) الفتح: 16، وقال تعالى (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى، وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى) القيامة: 31 - 32، وقد قال تعالى (لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى، الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى) الليل: 15 - 16، وكذلك قال موسى وهارون (إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى) طه: 48، فعُلِمَ أن التولّي ليس هو التكذيب، بل هو التولي عن الطاعة، فإن الناس عليهم أن يصدقوا الرسول فيما أخبر ويطيعوه فيما أمر، وضد التصديق التكذيب، وضد الطاعة التولي] [2] . ويظهر من كلام شيخ الإسلام أن الإيمان عند أهل السنة - وهو مادلّ عليه الكتاب والسنة - لابد فيه من التصديق بالقلب واللسان مع الطاعة بأداء أعمال الإيمان، وهو معنى قول أهل السنة (الإيمان قول وعمل) ، وأن الإيمان ينتفي بما يضاد التصديق وهو التكذيب والجحد، كما ينتفي بما يضاد الطاعة وهو التولي بترك المأمور به أو فعل المنهي عنه والمقصود هنا مايُخل منها بأصل الإيمان كما بيّنته في التنبيه الهام المذكور بمبحث الاعتقاد، فمن حصر الكفر في الجحد فقد حصر الإيمان في التصديق وهذا قول المرجئة وهو قول باطل كما فصّلته بمبحث الاعتقاد، وفي هذا قال ابن تيمية رحمه الله [والكفر لايختص بالتكذيب، بل لو قال: أنا أعلم أنك صادق لكن لا اتبعك، بل أعاديك وأبغضك وأخالفك ولا أوافقك، لكان كُفره أعظم، فلما كان الكفر المقابل للإىمان ليس هو التكذيب فقط، عُلِمَ أن الإيمان ليس هو التصديق فقط، بل إذا كان الكفر، يكون تكذيبا، ويكون مخالفة ومعاداة وامتناعًا بلا تكذيب، فلابد أن يكون الإيمان تصديقا مع موافقة ٍ وموالاة ٍ وانقياد، لايكفي مجرد التصديق] [3] [4] .

(1) (تفسير الطبري) 6/ 247 - 248

(2) (مجموع الفتاوى) 7/ 142

(3) (مجموع الفتاوى) 7/ 292

(4) (قال الشيخ أبو محمد حفظه الله[تكلم المصنف في(التولّي) المذكور قبل آية المائدة وقرر أن التولي هو عين الترك الذي تكلم فيه من قبل.

والصواب أن التولي أبلغ من الترك.

فالتولي نوع من أنواع الكفر كما بين الله تعالى: (( فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى، وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى ) )القيامة: 31 - 32، فكما أن التكذيب من أنواع الكفر وهو يقابل التصديق (فلا صدّق) (ولكن كذّب) فكذلك التولي نوع من أنواع الكفر وهو يقابل الطاعة والانقياد والاستسلام، (ولا صلى) ... (وتولى) .

وكل من النوعين كفر مخرج عن الملة، وقد يجتمعان فيصيران كفرًا فوق كفر، وقد قال شيخ الإسلام: (التولي ليس هو التكذيب بل هو التولي عن الطاعة، فإن الناس عليهم أن يصدقوا الرسول فيما أخبر ويطيعوه فيما أمر، وضد التصديق التكذيب، وضد الطاعة التولي) مجموع الفتاوي

فالتولي المذكور في قوله تعالى: (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) المائدة: 43، قبل قوله تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: 44، هو التولي المكفّر ونفي الإيمان في الآية على حقيقته، ويؤكد هذا سبب النزول كما تقدم، فهذا لا نخالف فيه المصنف، ولا نشترط فيه الجحد لأجل التكفير.

وإنما نخالفه كما تقدم بإدراجه الترك المجرد كمعصية، الذي هو (مطلق الترك) تحت التولي المكفّر الذي هو (الترك المطلق) وبالتالي نخالفه في إنكاره على من اشترط الجحد أو الاستحلال لأجل التكفير في (مطلق الترك) وهي صورة الحكم القديمة التي يذكرها السلف عادة.

وقد وضح المصنف قصده في الخلاصة (ص877) . فذكر أن الآية عامة تتناول بلفظها العام حتى القضاة بالشرع، وهذا حق ولكن الشأن في التفصيل.

فقد جعل مناط التكفير فيها هو ترك الحكم قال: (الذي يلازمه دائمًا الحكم بغير ما أنزل الله كما دلّ عليه سبب النزول) أهـ.

وقد قدّمنا لك أن (الحكم بغير ما أنزل الله) الذي لازَمَ ترك حكم الله في سبب النزول، هو الحكم بالشرع المخترع واتباعه.

وليس هو المعصية واتباع الهوى، فهذا أيضًا يندرج تحت الحكم بغير ما أنزل الله إن فعله القاضي المسلم الذي يدين بشرع الله، لكنه قضى فترك حكم الله في الواقعة دون أن يتبع شرعًا آخر مخترع، فهو قد حكم بغير ما أنزل الله، ولكن ليس بالمعنى الكفري الطاغوتي، ولذلك اشترط من اشترط من السلف، الجحد أو الاستحلال في تكفيره شأن ذلك شأن سائر المعاصي غير المكفرة.

والخلاصة:

أن الحكم بغير ما أنزل الله الذي يلازم ترك حكم الله إما أن يكون:

حكمًا بالشرع المخترع (تحاكمًا للطاغوت) .

أو معصية ومتابعة للهوى والرشوة.

فالأول: هو صورة سبب نزول الآية ولم يختلف السلف في أنها عمل مكفر لا يفتقر إلى الجحد والإستحلال للتكفير فيه،

والثاني: ليس هو سبب نزول الآية ولذلك ورد بعض الخلاف عن السلف فيه، واشترط جمهورهم الجحد والاستحلال للتكفير فيه.

والمصنف يُلْحق الصورة الثانية بالأولى، ولا يفرّق بينهما في اشتراط الجحد ويقول بأن ذلك كله من صورة سبب النزول. ولذلك قال بعد ذلك: (( 4) إن الحكم بالكفر يقع على من ترك حكم الله في قضية واحدة ... ).

قلت: لو أراد؛ إن تحاكم فيها لغير شرع الله أي إلى الطاغوت، فصواب.

لكنه أعرب عن قصده الذي بيّناه لك من قبل فقال: (والخلاصة أن كل من ترك حكم الله في قضية أو نازلة وحكم فيها بغير ما أنزل الله متعمدًا غير مخطىء، فهو كافر كفرًا أكبر ويدخل في هذا الحكام والقضاة الحاكمين بالقوانين الوضعية) ، إلى قوله: (وإنما يردُ هذا التفريق في حق قضاة الشريعة الذين يلتزمون الحكم بالشريعة في الأصل، فمن خالفها منهم متعمدًا كفر، ومن خالفها مخطئًا لم يكفر بل هو مأجور باجتهاده إن كان من أهل الاجتهاد .. ) أهـ. كذا (ص 893) قال في الخلاصة: (ولا يستثنى من هذه الأحكام إلا الحاكم أو القاضي الشرعي المجتهد المخطئ) وقال (ص 889) : (كل من قسّم الحكم بغير ما أنزل الله إلى قسمين - كفر أصغر وكفر أكبر - فهو مخطئ، فإن الحكم بغير ما أنزل الله كفر أكبر لا غير، ولا ينجو من هذا الوعيد إلا المجتهد المخطئ، يدل على أن كلامه يتناول الحكم بغير ما أنزل الله بصورة الترك المجرد كمعصية، دون التحاكم إلى شرع آخر، إذ لا يسوّغ للمجتهد اتباع شرع آخر بحال. وتأمل كيف حصر المخالفين لحكم الله في الموضع الأول، في(المجتهد المأجور) وفي مقابلة (الكافر) . وليس ثم وسط بينهما عنده وهو؛ العاصي أو الفاسق أو الظالم ... خصوصًا وأنه صرّح بأنه يعني من كان ملتزمًا بالشرع، وأطلق المخالفة بحيث لا تختص بالتحاكم إلى الطاغوت، بل وتشمل الترك المجرد كمعصية متابعة للهوى أو الرشوة، تلك الصورة التي اشترط السلف الجحد والاستحلال للتكفير فيها، ولأجل ذلك ترى المصنف في كتابه قد خطّأ في هذا كل من خالف مذهبه هذا، من المتقدمين والمتاخرين، بدءًا بابن عباس كما تقدم ومن قال بقوله من السلف ثم ابن القيم وابن أبي العز وقد تقدم).

ثم عاد (ص882) وخطّأهما في اشتراط الجحد ونحوه لتكفير تارك الحكم بالصورة القديمة التي يتناولها السلف، ثم قال: (فاعتقاد وجوب الحكم مع العدول عنه، هي صورة سبب نزول الآية وحكم الله بأنها كفر أكبر لا أصغر) أهـ.

فقد وضح أن سبب النزول ليس هو فقط، العدول عن حكم الله من جنس المعصية والهوى، بل هو الإعراض والتولّي عنه مع تحكيم الشرع المخترع بدلًا منه ولو في حكم أو حدٍّ واحد] النكت اللوامع ص (21 - 24)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت