فهرس الكتاب

الصفحة 1117 من 1285

الشارع على كفر فاعلها، أما المرجئة القائلون بأن الإيمان هو التصديق وليس العمل منه، فلا يُكَفّرون بشئ من الأعمال، بل ليس الكفر عندهم إلا التكذيب والجحد أي مايضاد التصديق، ولكن الفقهاء والمتكلمين من المرجئة قالوا مع ذلك إن العمل (قول أو فعل أو ترك) الذي نص الشارع على كفر فاعله فإنه علامة على أنه مكذب بقلبه، ويكفرونه بذلك العمل، وجعلوا الجحد لازما لاينفك عن التكفير بمثل هذا العمل، بخلاف غلاة المرجئة الذين جعلوا الجحد شرطا مستقلا للتكفير في هذا الموضع كما شرحته في تعليقي على العقيدة الطحاوية بمبحث الاعتقاد.

والخلاصة: أن مناط التكفير في قوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) هو ترك الحكم بما أنزل الله الذي جاء مفسرًا في الآية قبلها بأنه التولي عن حكم الله أي تركه وعدم طاعته لا التكذيب به وجحده، فمن اشترط الجحد للتكفير هنا فقد خالف النص وشرطه باطل كما قال عليه الصلاة والسلام (من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط) [1] . ومما يزيد هذا بيانًا:

2 -الدليل الثاني: وهو ماذكرته في المقدمة الخامسة عشرة من أن الذنوب التي نصّ الشارع على كفر فاعلها فإنه يحكم عليه بالكفر بمجرد فعلها دون تقييد ذلك بجحد أو استحلال، بخلاف الذنوب التي لم يثبت عن الشارع كفر فاعلها فلا يكفر إلا إذا جحدها - إن كانت من الواجبات - أو استحلها - إن كانت من المحرمات -.

وقد ذكرت في المقدمة الخامسة عشرة والتي شرحها في التنبيه الهام المذكور عقب تعليقي على قول الإمام الطحاوي [ولايخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ماأدخله فيه] ، ذكرت أن التفريق بين هذين النوعين من الذنوب (المكفّرة والمفسِّقة) وعدم اشتراط الجحد أو الاستحلال للتكفير بالأولى مع اشتراطه في الثانية أن هذا ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة حتى أن مُخالِفَه يكفر، ولهذا أكفر السلف من يشترط الجحد للتكفير بالذنوب المكفرة كما ذكره ابن تيمية [2] . ومن الأدلة التي ذكرتها في التنبيه الهام المشار إليه: إجماع الصحابة على تكفير تارك الصلاة بمجرد الترك، مع إجماعهم على عدم تكفير شارب الخمر إلا إذا استحلها. وذلك لأن النص أثبت الكفر لتارك الصلاة بمجرد الترك وهو قوله عليه الصلاة والسلام (بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة) [3] ، في حين لم يثبت نص في تكفير شارب الخمر فلا يكفر إلا بشئ مكفّر زيادة على الشرب، وهو استحلال شربها بما يعني التكذيب بالنص المحرم لها، وهذا التكذيب كفر.

فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام قد قال (بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة) ، فقد قال تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) . فترك الصلاة كفر أكبر معرف بأل (الكفر) ، وكذلك ترك الحكم بما أنزل الله كفر أكبر معرف بأل. (الْكَافِرُونَ) . فهذا تركٌ مُكَفِّر، وهذا تركٌ مكفّر نص الشارع على أن فاعله كافر كفرًا أكبر. فمن اشترط الجحد أو الاستحلال للتكفير هنا فقد استدرك على الله وخالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة الذي هو سبيل المؤمنين، وقال تعالى (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا) النساء: 115.

يبقى بعد ذلك التنبيه على قاعدتين هما أساس أخطاء معظم المعاصرين في موضوع الإيمان والكفر، ومنه الخطأ في

(1) الحديث متفق عليه

(2) (مجموع الفتاوى) 7/ 205 و 209

(3) رواه مسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت