فهرس الكتاب
موضوع الحكم بغير ما أنزل الله [1] .
القاعدة الأولى: وهي قول أهل السنة [لانكفر مسلمًا بذنب ما لم يستحله] . وهي قاعدة صحيحة، ولكن الخلل في فهم كثير من المعاصرين لها، فقد ظنوا أن كلمة (ذنب) فيها تعني أي ذنب كان - كما قاله الألباني، وبينت خطأه في أخطاء التكفير بمبحث الاعتقاد - وليس الأمر كذلك، بل المقصود بالذنب فيها الذنوب غير المكفرة كالزنا والربا والخمر والسرقة فهذه لايكفر فاعلها إلا باستحلالها وقد قال أهل السنة هذه العبارة - كما ذكر ابن تيمية - للرد على الخوارج الذي يكفرون بالذنوب غير المكفرة بمجرد فعلها، أما الذنوب المكفرة فلا يسمى فاعلها مسلمًا، وبالتالي فلا تسرى عليه هذه القاعدة، وانظر شرحًا موجزًا لذلك بالمقدمة السادسة عشرة، والتفصيل مذكور بتعليقي على العقيدة الطحاوية بأول مبحث الاعتقاد.
(1) (قال الشيخ أبو محمد حفظه الله[(ص872) في الشبهة الثالثة: ذكر أقوال من جعل مناط التكفير في آية: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ) هو ترك الحكم فقط وذكر بعض من اشترط الجحد في التكفير في هذه الصورة ومن لم يشترط، مع أنه في عنوان الشبهة (ص872) قال: (ترك الحكم بما أنزل الله والحكم بخلافه) .
فإن أراد: (الحكم بخلافه) أي بشرع آخر فهذا كما عرّفناك ليس هو ما يشترط فيه السلف الجحد، ومن ثم فلا داعي هنا لإيراد مقالاتهم التي يشترطون فيها الجحد، ثم تكلّف الرد عليها، إذ ليس هذا مناطها ..
وإن أراد: (بالحكم بخلافه) الهوى والشهوة والمعصية والرشوة، وذلك لا شك كله خلاف حكم الله، فلا داعي هنا كما قدمنا لتخطئة من اشترط الجحد والاستحلال من السلف.
كما فعل مع ابن عباس رضي الله عنه حيث أورد ما يُنسب إليه من أنه قال: (من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقرّ به ولم يحكم فهو ظالم فاسق) أهـ. (872) حيث جعل كلامه مصادمًا لنص الآية.
وقد عرّفناك فيما مضى أن كلام من قال مثل ذلك من السلف، غير مصادم للآية لأنهم لم يقولوا ذلك في مناطها بل قالوه في المناط الذي أنزلها الخوارج فيه.
وأن مناط الآية الذي أنزلت فيه هو ترك حكم الله مع التشريع أو التواطؤ والتحاكم إلى شرع آخر غيره، وهو الذي قال عنه البراء: (في الكفار كلها) ولم يخالف أحد من السلف في أنه كفر أكبر. أن اتباع غير تشريع الله شرك صراح كما نص الله تعالى في سورة الأنعام وغيرها، وابن عباس رضي الله عنه نفسه روى سبب نزول قوله تعالى: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) الأنعام: 121، كما رواه عنه الحاكم وغيره بإسناد صحيح، فابن عباس وسائر الصحابة لا يشكّون بأنّ متابعة غير تشريع الله كفر مجرّد، ومن ثم فلم يشترط أحد منهم للتكفير بذلك، الجحد أو الاستحلال، وإنما اشترطوا ذلك لما هو من جنس المعاصي غير المكفرة، وقد عرفت صورته فيما تقدم.
ومن هذا تعرف مجانبة المصنف للصواب بقوله في الموضع نفسه (ص872) : (فالله سبحانه علّق الكفر على ترك الحكم بما أنزل الله(وَمَن لَّمْ يَحْكُم) وابن عبّاس علّقه على جحد ما أنزل الله، فأثبت مناطًا للحكم غير المناط الوارد في الآية) أهـ.
نعم، وحقَّ له أن يفعل ذلك، لأنه لا يفسّر بكلامه هنا الآية، فقد عرفت تفسير السلف لها في سبب النزول.
وإنما هو يتكلم في واقع ليس فيه مناطها، ولذلك اشترط الجحد، فقد قدّمنا لك أن لفظ الآية عام، فيشمل ظاهرها الترك المجرد كمعصية، كما يشمل الحكم بغير ما أنزل بمعناه التشريعي الكفري، فهي إن لم تفهم على ضوء سبب النزول وأبقيت على عمومها هذا، صارت من المتشابه، ولذلك تمسّك الخوارج بظاهرها لتكفير كل من عصى الله كما زعموا.
ولكن عند رد المتشابه إلى المحكم، وفهم نص الكتاب على ضوء بيان السنة النبوية، كما هي طريقة الراسخين في العلم، يظهر من سبب النزول أن مناط التكفير في الآية، هو الإعراض عن حكم الله ولو في حدٍّ واحد من حدود الشرع، والحكم بشرع آخر غيره، فهذا هو المناط المكفِّر الذي لا يذكر معه الجحد.
أما ما كان ينتقده الخوارج على ولاة زمانهم ويستدلون بالآية منزلينها على غير مناطها، فهو الذي اشترط له السلف الجحد، وأوَّلوا الآية فيه، والحق كما قدّمنا لك أن تبقى على ظاهرها في مناطها، وأن تؤَوّل إذا أنزلت في غير مناطها] النكت اللوامع ص (20 - 21)