فهرس الكتاب
أما القاعدة الثانية: فهي قول الطحاوي رحمه الله [ولايخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ماأدخله فيه] . وهذا خطأ وبيّنت خطأه كما بينت معنى هذه العبارة عند المرجئة وذلك في التعليق عليها بمبحث الاعتقاد بما يغني عن إعادته هنا، ويكفيك هنا قول ابن تيمية المذكور آنفا [والكفر لايختص بالتكذيب ... ] إلى آخر مانقلته عنه من مجموع الفتاوى 7/ 292.
وقد كان هذا كله في بيان أنه لايشترط الجحد أو الاستحلال للحكم بالكفر الأكبر على (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ) ، وقد ذكرت دليلين على بطلان هذا الشرط:
أحدهما: أن اشتراط الجحد مخالف لمناط التكفير الوارد في الآية والذي هو مجرد ترك الحكم والتولي عنه.
والثاني: أن الكفر في الآية هو الكفر الأكبر وقد ثبت ذلك بأربعة أدلة - اتفاق الصحابة ودلالة اللغة ودلالة عرف الشارع ودلالة الشرع - ذكرتها في الرد على الشبهة الثانية. ورتب الله الكفر الأكبر على ترك الحكم بما أنزل الله بما يعني أن هذا الترك ذنب مكفِّر، وهذا لايشترط جحد أو استحلال للتكفير به كما دلّ على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، ومن خالف في ذلك فقد خالف النص والإجماع، وقال بقول غلاة المرجئة الذين أكفرهم السلف لاشتراطهم الجحد للتكفير بالذنوب المكفرة يما ينطوي عليه هذا الشرط من رد حكم الله بكفر من فعل هذه الذنوب بمجرد فعلها، كما ذكرته في المقدمة الخامسة عشرة.
خلاصة القول في تفسير قوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) .
بعد الرد على الشبهات الثلاث الواردة على الاحتجاج بهذه الآية، وبيان الحق والقول الراجح في كل منها، ألخص ماسبق فيما يلي:
1 -أن الآية عامة: يَعُم حكمُها كل من يتناوله لفظها، أي كل (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ) من الحكام والقضاة أو غيرهم ممن يتصدى للحكم بين الناس، وسواء كان القاضي يحكم بالشرع في الأًصل كقضاة الشريعة، أو كان لايحكم به في الأًصل كقضاة القوانين الوضعية، فإن هؤلاء جميعهم يعمهم لفظ الآية إذا تركوا الحكم بما أنزل الله.
2 -أن الكفر في الآية هو الكفر الأكبر المخرج من الملة.
3 -أن مناط التكفير في هذه الآية هو ترك الحكم بما أنزل الله والذي يلازمه دائما الحكم بغير ما أنزل الله كما دل عليه سبب النزول. وهذا المناط هو سبب الحكم بالكفر الوارد في الآية دون النظر إلى الباعث على هذا السبب، فسواء كان الباعث هويً أو رشوة أو قرابة أو جحدًا أو استحلالًا أو كراهية لما أنزل الله وتفضيل غيره عليه أو غير ذلك من البواعث، فإن هذا كله لايؤثر في الحكم الذي يترتب على السبب لا الباعث عليه، وقد ذكرت الفرق بين أسباب الكفر وأنواعه وبواعثه ضمن أخطاء التكفير المذكورة بمبحث الاعتقاد.
4 -أن الحكم بالكفر يقع على من ترك حكم الله في قضية واحدة أو في جميع أقضيته، وذلك لأن الحكم بالكفر - في سبب نزول الآية - وقع على من ترك حكم الله في قضية واحدة وهي حكم الزاني المحصن، وصورة سبب النزول قطعية الدخول في النص كما في المقدمة السابعة.
والخلاصة: أن كل من ترك حكم الله في قضية أو نازلة وحكم فيها بغير ما أنزل الله متعمدًا غير مخطئ فهو كافر كفرًا أكبر. ويدخل في هذا الحكم دخولًا أوليًا جميع الحكام والقضاة الحاكمين بالقوانين الوضعية، لأن مجرد التزامهم الحكم بهذه القوانين هو تعمد منهم لترك حكم الله والحكم بغيره، فهؤلاء لايرد فيهم التفريق بين المتعمد والمخطئ. وإنما يرد هذا التفريق في حق قضاة الشريعة الذين يلتزمون الحكم بالشريعة في الأصل، فمن خالفها منهم متعمدًا كَفَر، ومن خالفها