فهرس الكتاب

الصفحة 1120 من 1285

مخطئا لم يكفر بل هو مأجور باجتهاده إن كان من أهل الاجتهاد لحديث عمرو بن العاص مرفوعا [إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر] [1] . إلا أن المخطئ من قضاة الشرع حكمه مردود يجب نقضه إذا خالف الثابت في الشرع للحديث (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) [2] .

وهذا الذي رجّحنا أنه الحق في هذه الآية - من أنها عامة في كل من تعمّد ترك حكم الله والحكم بغيره أنه كافر كفرًا أكبر - قال به كثير من أهل العلم من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، وبذلك ترى أن ماذكرناه لم يخرج عن مجموع أقوالهم، وهذا تحقيق لما ذكرناه في المقدمة الرابعة من أن الصحابة إذا اختلفوا - وإن أسقط هذا الاختلاف الحجة في قولٍ معين من أقوالهم كما في المقدمة الثالثة - إلا أنه لابد أن يكون الحق في قولٍ من أقوالهم إذ لايخرج الحق عنهم جميعا، ويعرف المُحق منهم بالترجيح كما قال مالك - في اختلاف الصحابة - [مخطئ ومصيب فعليك بالاجتهاد] . وذكر ابن القيم في أصول مذهب أحمد بن حنبل [الأًصل الثالث من أصوله: إذا اختلف الصحابة تخيَّر من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم] [3] ، وقوله [ولم يخرج عن أقوالهم] لأن الحق في واحدٍ منها كما في المقدمة الرابعة.

وممن قال من السلف بما رجّحناه في هذه الآية:

1 -ما نقله العلامة محمد جمال الدين القاسمي في تفسيره قال [ونقل في «اللباب» عن ابن مسعود والحسن والنخعي: أن هذه الآيات الثلاث عامة في اليهود وفي هذه الأمة، فكل من ارتشى وبّدل الحكم فحكم بغير حكم الله، فقد كَفَر وظَلَم وفسق، وإليه ذهب السُّدّي، لأنه ظاهر الخطاب. ثم قال: وقيل: هذا فيمن عَلِمَ نصّ حكم الله ثم ردّه عيانًا عمدًا وحَكَم بغيره، وأما من خفي عليه النص أو أخطأ في التأويل فلا يدخل في هذا الوعيد. انتهى. وقال إسماعيل القاضي في «أحكام القرآن» ظاهر الآيات يدل عى أن من فعل مثل مافعلوا - يعني اليهود - واخترع حُكمًا يُخالف به حكم الله، وجعله دينًا يُعمل به، فقد لزمه مثل مالزمهم من الوعيد المذكور، حاكما كان أو غيره] [4] . ومانقله القاسمي عن إسماعيل القاضي ذكره ابن حجر [5] ، ومعنى كلام إسماعيل هو ماذكرته في المقدمة السابعة من أن صورة سبب النزول قطعية الدخول في النص، ونقل السيوطي الإجماع على ذلك. وصورة واقعنا المعاصر من الحكم بالقوانين الوضعية هي صورة سبب النزول وهي تعمد ترك حكم الله والحكم بشرع مخترع يخالفه مع جعله دينًا يُعمل به أى نظامًا مُلزمًا كما ذكرته في معنى الدين في المقدمة الأولى، والحاكمون بالقوانين الوضعية لايَرِد فيهم ماذكره القاسمي من التفريق بين المتعمد والمخطئ والمتأول فهذا يرد في قضاة الشريعة، أما الحكام بالقوانين الوضعية فهم متعمدون ترك حكم الله والحكم بغيره بمقتضى التزامهم الحكم بها، وهم لايتولون مناصبهم الرئاسية والقضائية إلا على الالتزام بذلك كما تنص عليه سائر الدساتير العلمانية من أنه (الحكم في المحاكم بالقانون) ، وقد نبّهت على هذا من قبل.

2 -وما نسبه القاسمي لابن مسعود رضي الله عنه، رواه الطبري عنه بأكثر من طريق وأكثر من لفظ، ذكرت بعضها قبلًا، ومنها قول الطبري [حدثنا هناد، قال: ثنا عبيدة، عن عمار، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، قال: سألت ابن مسعود عن السحت، أهو الرشا في الحكم، فقال: لا، من يَحْكم بما أنزل الله فهو كافر، ومن لم يحكم بما أنزل الله فهو ظالم، ومن لم يحكم بما أنزل الله فهو فاسق، ولكن السحت يستعينك الرجل على المَظْلمة فتعينه عليها، فَيُهدى لك الهدية،

(1) متفق عليه

(2) رواه مسلم

(3) (اعلام الموقعين) 1/ 31

(4) (محاسن التأويل) للقاسمي، 6/ 215 - 216، ط دار الفكر 1398هـ

(5) في (فتح الباري) 13/ 120

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت