فهرس الكتاب

الصفحة 1133 من 1285

بمناط واحد منها. فمن ترك حكم الله فلم يحكم بشيء في القضية وأطلق الجاني كفر بنص الآية (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: 44، ولو حكم عليه بغير ما أنزل الله لكفر بنص الآية نفسها (لأن الحكم بغير ما أنزل الله داخل في مناطها بدلالة سبب النزول) ، وكلاهما لم يشرع شيئا من عند نفسه، فالتشريع مناط مكفر، وترك الحكم بما أنزل الله مناط مكفر آخر، والحكم بغير ما أنزل الله مناط مكفر ثالث. فتعليق كفر الحاكم بغير ما أنزل الله على مناط التشريع وحده مصادم لنص الآية وتعطيل لمناط التكفير الوارد في قوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: 44.

15 -الأستاذ محمد شاكر الشريف، قال[ «فصل» في بيان متى يكون الحاكم بغير ما أنزل الله كافرًا كفرًا لا يخرجه من الملة؟. ثم قال إنه لا يكفر بشروط ثلاثة وهي:

(أ) أن يكون ملتزمًا ومتقبلًا ظاهرًا وباطنًا لكل حكم أو تشريع جاء عن الله سبحانه وتعالى أو رسوله عليه الصلاة والسلام.

(ب) أن يكون مقرًا ومعترفًا بأنه ترك الحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى في القضية أو الواقعة المعينة التي يحكم فيها صار آثما وأن حكمه خطأ وأن حكم الله هو الصواب.

(ج) أن يكون الحكم المخالف حكمًا في وقائع الأعيان وليس في الأمور الكلية العامة، وهذا الشرط الثالث مما غمض فهمه والتنبّه له على كثير من المعاصرين] . وأراد بوقائع الأعيان الحكم في قضية معينة وأراد بالحكم في الأمور الكلية العامة وضع التشريع المخالف لشريعة الإسلام [1] .

وحاصل كلامه يرجع إلى كلام من سبقه (الدكتور عمر عبد الرحمن) : أنه من لم يحكم بما أنزل الله لا يكفر إلا أن يشرع قانونًا عامًا. وقد سبق التنبيه على أن الحكم بغير ما أنزل الله مناط مكفر، وأن التشريع مناط مكفر آخر. وتعليق حكم الكفر الوارد في قوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: 44 على مناط التشريع فقط - الذي يرى المؤلف أنه غمض فهمه على الكثيرين - هو تعطيل لنص الآية، فإن الله حكم بالكفر فيها على من تركوا حكمه في وقائع الأعيان (حد الرجم) وكانوا مقرين بأنه حكم الله الذي أنزله في التوراة كما في رواية البخاري لسبب النزول عن ابن عمر وفيه قال اليهود (صدق يا محمد، فيها آية الرجم) .

فالشروط الثلاثة التي اشترطها للحكم بالكفر الأصغر لو تحققت في حاكم بغير ما أنزل الله لكان كافرًا كفرًا أكبر بمجرد حكمه في قضايا الأعيان بغير حكم الله، ولو قال إنه ملتزم بحكم الله ومقر على نفسه بالعصيان لما أثّر هذا في الحكم، بل يكون كاذبا في قوله هذا كما نقلته من قبل عن ابن تيمية (مجموع الفتاوى) 7/ 616، وعن الشيخ محمد بن إبراهيم (مجموع فتاويه) 6/ 189.

وقد استدل هذا المؤلف لشروطه بكلام لأبي مجلز ولابن كثير (ص 106 و 107 من كتابه) وكلامهما غير صريح في الدلالة على ما ذهب إليه ولم يتناول أبو مجلز المسألة محل النزاع، أما ابن كثير فكلامه في تفسير (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ) المائدة: 50 يدل على خلاف ما ذهب إليه المؤلف إذ علق ابن كثير الكفر على مجرد الحكم بغير ما أنزل الله في قضايا الأعيان، فقال رحمه الله - عن الياسق [فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله

(1) انظر كتابه (إن الله هو الحَكَم) ص 88 - 91، ط دار الوطن، 1413هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت