فهرس الكتاب

الصفحة 1132 من 1285

إن الأول منهما - بلا جدال - إنما هو حاكم مسلم عاص ٍ.

• مسلمٌ: لأنه يقيم حكمه على أساس أن الحكم والتشريع إنما هو خالص حق الله تعالى لا يشاركه فيه غيره، ويعلم أن دوره - كوال ٍ أو خليفة للمسلمين - هو أنه يحكم بين عباد الله بما أنزل الله ...

• عاص ٍ: لأنه خالف مولاه فترك الحكم بما أنزل الله في واقعة عصيانا لا جحودًا ولا استبدالًا وهو الذي عناه ابن عباس بقوله «إنه ليس بالكفر الذي تذهبون إليه، إنه ليس كفرا ينقل عن الملة (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: 44، كفر دون كفر» .

أما الثاني - قاتله الله - فهو كافر .. كافر .. لأنه أراد أن يجعل نفسه - أو غيره - شريكًا لله، أراد أن يخلع على نفسه صفة من صفات الربوبية وخاصية من خصائصها، ألا وهي حق التشريع، قال تعالى (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ) الشورى: 21 .. من فعل ذلك فهو كافر قطعا وكفره كفر أكبر ينقل عن الملة وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم .. هذا هو الحق الذي لا مراء فيه .. وهذا هو القول الفصل في النوعين ... ] [1] .

أما قوله في النوع الأول [أحدهما: مسلم يحكم بكتاب الله] فهذا الوصف غير مؤثر في مناط الحكم، فإيراده في مقام التعليل اشتراط ما لم يشترطه الله، هذا فضلا عن أن الحاكم المسلم هو وسائر المسلمين داخلون في عموم نص الآية (وَمَن لَّمْ يَحْكُم ... ) ولا يكون مسلما إلا إذا كان حاكما بكتاب الله.

وقوله [في إحدى الوقائع أو بعضها] فهذا قد رددت عليه قريبا أعلاه في الرد على قادري والقرني حيث بيّنت أن الكفر في آية المائدة (وَمَن لَّمْ يَحْكُم ... ) وفي آية الأنعام (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) الأنعام: 121، ترتب على الحكم بغير ما أنزل الله في قضية واحدة، فدخول هذه الصورة في حكم النص قطعيٌ (المقدمة السابعة) . وأذكِّر القارئ هنا بما ذكرته في مبحث الاعتقاد في أكثر من موضع من أن العبد لا يدخل في الإيمان الحقيقي إلا بمجموع خصال ولكنه يدخل في الكفر الحقيقي بخصلة واحدة ومن ذلك حكمه في قضية واحدة بغير ما أنزل الله متعمدًا.

وقوله [وهو يعلم أنه بذلك عاص آثم] وفسّره بعد ذلك بقوله [لا جحودًا ولا استبدلًا ولا اعتقادًا] ، فقد سبق الرد على هذا، وأن كفر الحاكم بغير ما أنزل الله هو من جهة فعله لا من جهة اعتقاده، كما قال ابن كثير رحمه الله - في تفسير (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ) المائدة: 50، - قال [فمن فعل ذلك فهو كافر] . ولم يقل (فمن اعتقد أو فمن جحد) فالاعتقاد والجحود مناطات مكفرة أخرى، أما الحكم بغير ما أنزل الله فهو مناط مكفر بذاته وقد دل على ذلك أكثر من دليل ذكرتها في (المناط المكفر الثالث) .

وبهذا تعلم أن قوله [إن الأول منهما - بلا جدال - إنما هو حاكم مسلم عاص] ، أن قوله هذا هو - بلا جدال - خطأ.

أما قوله في النوع الثاني إنه كافر لأنه خلع على نفسه حق التشريع. فهذا خروج عن الكلام في مناط الحكم في الآية الأولى چ ? ? ہ ... چ وكأن الآية بذاتها ليس فيها دلالة على الكفر مع قوله تعالى (فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ، فقيد الكفر فيها بمناط غير وارد فيها وهو مناط التشريع، وهذا شرط باطل لأنه ليس كل من حكم بغير ما أنزل الله قد شرع بنفسه خلاف شرع الله، وذلك لأنني قد ذكرت في صدر هذه المسألة (السادسة) ثلاثة مناطات مكفرة في هذا الموضوع: ترك حكم الله، وتشريع ما يخالفه، والحكم بما يخالفه، ولا يشترط اجتماعها في الشخص ليكفر، بل يكفر

(1) في كتابه (أصناف الحكام) ص 59 - 61.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت