فهرس الكتاب
هذه كلها داخله في سبب النزول وهو كفر أكبر.
وأما قولهما إن الكفر الأصغر يكون إذا حكم في جزئية أو قضية معينة، فخطأ، وقد سبق القول بأن الكفر الأكبر الوارد في قوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: 44، ترتب على ترك حكم الله والحكم بغيره في قضية واحدة وهي حد الزاني المحصن، كما أن الشرك الأكبر الوارد في قوله تعالى (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) الأنعام: 121، متوعَّدٌ به من أطاع الكفار في تشريعٍ واحد مخالف وهو إباحة أكل الميتة، فالحكم بغير ما أنزل الله في قضية واحدة هو صورة سبب نزول هذه الآيات فهو قطعي الدخول في عموم حكمها (المقدمة السابعة) أي أنه كفر أكبر. ولهذا فقد انتقد العلماء عَلَى عبد العزيز الكناني قوله إن الكفر في الآية هو في حق من لم يحكم بجميع ما أنزل الله، بأن الوعيد في الآية ورد في ترك حكم الرجم فقط، كما قال أبو حيان الأندلسي [وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني «ما أنزل» صيغة عموم، فالمعنى من أتى بضد حكم الله في كل ما أنزل الله، والفاسق لم يأت بضد حكم الله إلا في القليل وهو العمل، أما في الاعتقاد والإقرار فهو موافق. وضُعِّف بأنه لو كان كذلك لم يتناول هذا الوعيد اليهود بسبب مخالفاتهم حكم الله في الرجم، وأجمع المفسرون على أن هذا الوعيد يتناول اليهود بسبب مخالفتهم حكم الله في واقعة الرجم فدلّ على سقوط هذا] [1] . وقال ابن القيم [ومنهم: من تأولها على ترك الحكم بجميع ما أنزل الله. قال: ويدخل في ذلك الحكم بالتوحيد والإسلام. وهذا تأويل عبد العزيز الكناني، وهو أيضًا بعيد. إذ الوعيد على نفي الحكم بالمنزّل. وهو يتناول تعطيل الحكم بجميعه وببعضه.] [2] . وأراد عبد العزيز الكناني بقوله [ترك الحكم بجميع ما أنزل الله] أنه يدخل في ذلك ترك التوحيد فيكفر من هذا الوجه - وكلامه هذا يشبه قول من اشترط الاعتقاد المكفر للتكفير - ويُبطله أن الوعيد بالكفر في الآية جاء في حق من ترك حكمًا من الشرائع (الرجم) لا من العقائد.
14 -الدكتور عمر عبد الرحمن قال [نحن أمام نوعين من الحكام:
أحدهما: مسلم يحكم بكتاب الله، ولكنه ترك الحكم بما أنزل الله في إحدى الوقائع أو بعضها وهو يعلم أنه بذلك عاص آثم ....
والآخر: يدعي الإسلام، ولا يحكم بكتاب الله ولكم يحكم بتشريع وضعي يشرعه هو أو غيره من البشر ويحمل الناس على التحاكم إلى هذا الشرع الوضعي منحيا شرع الله عن الحكم.
فما القول في كل منهما؟ .. وما نصيب كل واحد منهما من قوله تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة:44؟.
هل يستوي هذا الحاكم الذي أسس بنيان حكمه على الإسلام وعلم أنه عبد لله ما عليه إلاَّ أن يطبق حكم الله ويقيم شرع الله ... بيد أنه أتى معصية بتركه الحكم بما أنزل الله في واقعة ... عصيانا لا جحودًا ولا استبدلًا ولا اعتقادًا بأفضلية شرع غير شرع الله ... وليس عنده تشريع غير شرع الله يأمر الناس بالتحاكم إليه ..
هل يستوي هذا مع من أسس بنيان حكمه على شفا جرف هارٍ من القوانين الوضعية فانهارت به في نار جهنم ... فتجده لا يحكم بما أنزل الله لأنه لا يقيم حكمه على أساس أنه عبدٌ لله ... بل يرى أنه هو أو غيره - برلمانًا كان أو حزبًا أو هيئة أو نظامًا - صاحب الحق في التشريع من دون الله، أو التشريع مع الله ...
(1) (البحر المحيط) 3/ 493
(2) (مدارج السالكين) 1/ 365