ولكنه لا يُتابع عليه، للحديث (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ) [1] .
هذا هو المنهج العلمي الواجب الاتباع في هذا المقام، والذي بمخالفته وقع من سبق ذكرهم فيما وقعوا فيه من أخطاء ومخالفات، والواجب بالنسبة لما نُسب إلى ابن عباس أن نقول إنه:
1 -لم يصح عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله إن الكفر في الآية هو (كفر دون كفر) .
2 -ولو صح عنه هذا لكان مخطئًا - لأن قوله مصادم لنص الآية - كما أخطأ في ظنه إباحة نكاح المتعة وإباحة لحوم الحمر الأهلية وإباحة ربا الفضل، وكما أخطأ في قوله إن النبي عليه الصلاة والسلام تزوج خالته السيدة ميمونة وهو مُحرِمٌ في عمرة القضاء وحديثه في هذا متفق عليه ولكنه خطأ [2] . ولأجل جواز الخطأ على الصحابي أجمع العلماء على أن كل أحدٍ يؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله عليه الصلاة والسلام كما ذكره ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) 11/ 208.
3 -وعلى فرض صحة قول ابن عباس (كفر دون كفر) ، وكذلك ما نُقل عن عطاء بن أبي رباح وطاوس اليماني بمثل هذا، فإن هذا القول ينبغي ألا يحمل على أنه تفسير منهم للآية، لأنه مصادم لظاهر الآية الدال على أنه كفر أكبر، وقول الصحابي والتابعي لا يخصص القرآن ولا يقيده (المقدمة الحادية عشرة) ، ولكن يُحمل هذا على أنه ردٌ منهم على الخوارج المستدلين بهذه الآية على تكفير العصاة بالذنوب غير المكفرة كالزنا والخمر، فكأنهم يقولون للخوارج: إن هذه الآية لا تسري على هؤلاء وإن ما يفعلونه هو كفر دون كفر. ومناظرات ابن عباس للخوارج معروفة مشهورة في يوم النهروان وفيما بعده [3] ، أما احتجاج الخوارج بهذه الآية فبيَّنت فساده وبطلانه في التنبيه الأول.
4 -أن المناطات المكفرة التي ذكرناها في هذه المسألة (ترك حكم الله، أو تشريع ما يخالفه، أو الحكم بتشريع مخالف) لم يقع شيء منها في زمن ابن عباس ت 68 هـ، ولا فيما بَعْده بِعِدّة قرون [4] ، وقد طالعت كثيرًا من كتب (الأوائل) - وهي
(1) رواه مسلم
(2) انظر (فتح الباري) 4/ 51 - 52
(3) انظر في ذلك على سبيل المثال (جامع بيان العلم) لابن عبدالبر 2/ 103 - 104
(4) (قال الشيخ أبو محمد حفظه الله[وهذا غير صحيح، خصوصًا وأنك قد عرفت أن المصنف يُدخل في مناط(ترك حكم الله) صورة الترك المجرد كمعصية في الواقعة لمن كان ملتزمًا في الأصل بشرع الله ولا يتحاكم لشرع غيره.
فمثل هذه الصورة لا شك كانت موجودة في القرون التي جاءت بعد زمن ابن عباس رضي الله عنه، والمطَّلع على تاريخ الخلافة الأموية والعباسية يرى من ذلك أمثلة كثيرة.
والمصنف نفسه قد ذكر (ص891) قصة القاضي الظالم، بلال بن أبي بردة وأنه أول قاض جار في القضاء وقصته نقلها من كتاب"الأوائل"لأبي بكر بن أبي شيبة (ت235هـ) حيث قال: (وأول قاض جار في القضاء بلال بن أبي بردة، أخبرنا أبو أحمد بإسناده أن رجلًا قدَّم إلى بلال رجلًا في دَينٍ له عليه، فأقر الرجل به، وكان بلال يُعنى بالرجل، فقال المدعي: يعطيني حقي أو تحبسه بإقراره، قال القاضي إنه مفلس قال: لم يذكر إفلاسه، قال: ما حاجته إلى ذكره وأنا عارف به؟ فإن شئت أحبسه، فالتزم نفقة عياله، فانصرف الرجل وترك خصمه وكان بلال معروفًا بالجَور) أهـ.
قال: وبمثل هذا الجور يكفّر الخوارج، إلى أن قال: (هذا ما كان يقع في زمانهم، أما أن يتولّى رئيس دولة أو ملك أو قاضي ولايته على الحكم بالدستور والقانون الوضعيّين ملتزمًا بذلك لا يحيد عنه فهذا لم يقع من قبل قط إلا في طائفة التتار أواخر القرن السابع الهجري) أهـ.
فتأمل كيف صار المصنف هنا إلى التفريق بين ما أنكره مرارًا في إطلاقاته المتقدمة مما يمثل به المتقدمون والمتأخرون، في صورة مَنْ ترك حكم الله في الواقعة دون أن يلتزم بشرع آخر، وبين الحكم بغير ما أنزل الله بصورته الكفرية الطاغوتية.
فهذا الذي ذكره هنا، ألا يصدق عليه كثير من إطلاقاته المتقدمة من قبل؟
فهو قد ترك حكم الله.
ويجوز أن يقال فيه أيضًا كما يفعل كثير من المتقدمين والمتأخرين: (حَكَمَ بغير ما أنزل الله) ، فيُشْكِل ذلك على بعض الناس.
مع أن المراد أنه حكّم هواه أو شهوته، وهنا أذكّرك بكلام المصنف المتقدم في إنكاره على من فرّق بين الحاكم بغير ما أنزل الله إذا اتبع شرعًا آخر، وبين من ترك حكم الله في الواقعة عصيانًا واتباعًا للهوى، فجعل هذا النوع الأخير نوعًا مكفرًا مثل الأول، وسرد الأدلة على أن كل من حكم بغير ما أنزل الله فقد اتبع هواه.
وكذلك فهذا القاضي ترك حكم الله، أو قُل؛ حكم بغير ما أنزل الله (الهوى والظلم والجور) للقرابة أو للمعرفة والدنيا ونحوه مما تقدم كلام المصنف في عدم التفريق بينه، وبين الحكم بغير ما أنزل الله بمعناه الكفري. والإنكار على من مثّل بذلك واشترط الجحد للتكفير فيه.
فقوله هنا: (وبمثل هذا الجور يكفّر الخوارج"نقض لما أسسه وأنكره مرارًا من قبل."
من ذلك قوله (ص892) : (ولا يُستثنى من هذه الأحكام إلا الحاكم أو القاضي الشرعي المجتهد المخطئ) أهـ.
فقد استثنى هنا هذا القاضي الجائر العامد غير المجتهد!] النكت اللوامع ص (29 - 30)