فهرس الكتاب

الصفحة 1136 من 1285

الكتب التي يذكر مؤلفوها أول من فعل كذا أو أول من قال كذا - فلم أر فيها أدنى إشارة إلى وقوع شيء من هذه المناطات في القرون الأولى خاصة الثلاثة الخيرية منها في هذه الأمة. انظر على سبيل المثال كتاب (الأوائل) ضمن (المُصنَّف) لأبي بكر بن أبي شيبة (ت 235 هـ) ، ط دار التاج 1409هـ، وكتاب الأوائل منه يقع في ج 7 ص 247 - 276، ولم يذكر فيه شيئًا من ذلك. غاية ما كان يقع من الحكام والقضاة هو الجور في الحكم في بعض الأمور بحيلة أو تأويل يصعب معه تأثيمه قضاءً وإن كان يأثم ديانةً، ومن هذا ما ذكره أبو هلال العسكري في كتابه (الأوائل) قال [أول قاضٍ جار في القضاء بلال بن أبي بُردة: أخبرنا أبو أحمد بإسناده أن رجلًا قدّم إلى بلال رجلًا في دَيْن له عليه، فأقر الرجل به، - وكان بلال يُعْنَي بالرجل - فقال المدعي: يعطني حقي أو نحبسه باقراره، قال القاضي: إنه مفلس، قال: لم يذكر إفلاسه، قال: وما حاجته إلى ذكره، وأنا عارف به؟ فإن شئت أحبسه فالتزم نفقة عياله، قال: فانصرف الرجل وترك خصمه، وكان بلال معروفًا بالجور.] [1] . وبمثل هذا الجور يُكَفِّر الخوارج، كما ذكره ابن حزم رحمه الله في كلامه عن شِنَع الخوارج قال [وقالت العُوفية - وهم طائفة من البيهسية التي ذكرنا آنفا - إن الإمام إذا قضى قضية جور وهو بخراسان أو بغيرها حيث كان من البلاد ففي ذلك الحين نفسه يكفر هو وجميع رعيته حيث كانوا من شرق الأرض وغربها، ولو بالأندلس واليمن فَمَا بين ذلك من البلاد.] [2] . هذا ما كان يقع في زمانهم. أما أن يتولى رئيس دولة أو ملك أو قاضي ولايته على الحكم بالدستور والقانون الوضعيين ملتزما بذلك لا يحيد عنه فهذا لم يقع من قبل قط إلا في طائفة التتار أواخر القرن السابع الهجري حين أعلنوا إسلامهم وحكموا فيما بينهم بقانون وضعي مخالف لشريعة الإسلام، وسأفصّل هذا في أول المسألة التالية إن شاء الله. ولا يظن أحد أن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم لا يكفرون أمثال هؤلاء، فإن هذا إزراء بالسلف وغمط لهم، وهم الذين أكفروا مانعي الزكاة بمجرد المنع كما فصّلته في مبحث الاعتقاد، فكيف بمن منع الحكم بالشريعة كلها وحكم بشرع مخالف لها؟، وقد ذكرت من قبل أنه صح عن ابن عباس: أن من أطاع التشريع المخالف واتبعه فقد أشرك بالله، وذلك في تفسير قوله تعالى (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) الأنعام: 121.

(1) من كتابه (الأوائل) ص 246، ط دار الكتب العلمية 1407هـ

(2) (الفصل) لابن حزم، 5/ 54

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت