بتعليم قومهم.
د - وروى البخاري عن البراء رضي الله عنه قال [أول من قَدِم علينا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مُصعب بن عمير وابن أم مكتوم، فجعلا يُقرِئاننا القرآن] [1] . وكان النبي صلى الله عليه وسلم أرسل مصعب بن عمير وابن أم مكتوم رضي الله عنهما إلى يثرب (المدينة) بعد بيعة الأنصار له بالعقبة وقبل الهجرة، ليعلما من أسلم من أهلها القرآن.
5 -الدليل علي حرص السلف على أخذ العلم عن العلماء الثقات وليس من الكتب.
أ - قال البخاري رحمه الله [ورَحَل جابر بن عبدالله مسيرة شهر إلى عبدالله بن أنيس في حديث واحد] [2] .
ب - وعن محمد بن سيرين رضي الله عنه قال [إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم] [3] .
ج - وعن محمد بن سيرين قال [لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سمّوا لنا رجالكم، فيُنظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلايؤخذ حديثهم] [4] .
د - وعن عبد الله بن المبارك رحمه الله قال [الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ماشاء] [5] .
هـ - وقال أبو حامد الغزالى رحمه الله[وإذا كان الاعتماد على المسموع من الغير تقليدًا غيرَ مَرْضِىّ فالاعتماد على الكتب والتصانيف أبعد، بل الكتب والتصانيف محدثة لم يكن شيء منها في زمن الصحابة وصدر التابعين، وإنما حدثت بعد سنة مائة وعشرين من الهجرة وبعد وفاة جميع الصحابة وجملة التابعين رضي الله عنهم، وبعد وفاة سعيد بن المسيب والحسن وخيار التابعين، بل كان الأولون يكرهون كتب الأحاديث وتصنيف الكتب لئلا يشتغل الناس بها عن الحفظ وعن القرآن وعن التدبر والتذكر وقالوا: احفظوا كما كنا نحفظ. ولذلك كره أبو بكر وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم تصحيف القرآن في مصحف وقالوا: كيف نفعل شيئا مافعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وخافوا اتكال الناس على المصاحف وقالوا: نترك القرآن يتلقاه بعضهم من بعض بالتلقين والإقراء ليكون هذا شغلهم وهمهم حتى أشار عمر رضي الله عنه وبقية الصحابة بكتب القرآن خوفًا من تخاذل الناس وتكاسلهم وحذرا من أن يقع نزاع فلا يوجد أصل يُرجع إليه في كلمة أو قراءة من المتشابهات، فانشرح صدر أبي بكر رضي الله عنه لذلك فجمع القرآن في مصحف واحد.
وكان أحمد بن حنبل ينكر على مالك في تصنيفه الموطأ ويقول: ابتدع مالم تفعله الصحابة رضي الله عنهم وقيل: أول كتاب صنف في الإسلام كتاب ابن جريج في الآثار وحروف التفاسير عن مجاهد وعطاء وأصحاب ابن عباس رضي الله عنهم بمكة. ثم كتاب معمر بن راشد الصنعانى باليمن جمع فيه سننًا مأثورة نبوية ثم كتاب الموطأ بالمدينة لمالك بن أنس، ثم جامع سفيان الثوري.] [6] .
الخلاصة: يتبين من مجموع الأدلة السابقة أن الأصل في تعلم العلم أن يكون بالتلقِّى عن العلماء الثقات. وهكذا أخذ النبي صلى الله عليه وسلم العلم (القرآن) عن جبريل عليه السلام، ثم أخذ الصحابة رضي الله عنهم العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تلقى التابعون العلم عن الصحابة، حتى أن كتابة العلم كانت مهجورة في القرن الأول ولم تحدث إلا بعد عصر الصحابة كما قال الغزالي،
(1) الحديث (رقم 4941)
(2) كتاب العلم من صحيح البخاري، باب 19
(3) رواه مسلم في مقدمة صحيحه
(4) رواه مسلم في مقدمة صحيحه
(5) رواه مسلم في مقدمة صحيحه
(6) (إحياء علوم الدين) ج 1 ص 94 - 95