وقال عامر الشعبى رحمه الله وهو من أكابر التابعين [ماكتبت سوداء في بيضاء قط، ولاحدَّثنى رجل بحديث فأحببت أن يعيده عَلَىّ، ولاحدَّثنى رجل بحديث إلا حفظته] [1] . ويعني بالسوداء أي الحبر، والبيضاء أي الورق.
حتى صار حفظ العلم بتلقيه شفاهة عن العلماء صفة هذه الأمة كما قال تعالى (وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ، بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) العنكبوت: 48 - 49.
قال الشاطبى رحمه الله [من أنفع طرق العلم الموصِّلة إلي غاية التحقق به أخذُه عن أهله المتحققين به علي الكمال والتمام - إلي أن قال - فأول ذلك ملازمة الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذهم بأقواله وأفعاله، واعتمادهم علي مايرد منه - إلى أن قال - وصار مَثَلُ ذلك أصلا لمن بعدهم، فالتزم التابعون في الصحابة سيرتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى فقهوا، ونالوا ذروة الكمال في العلوم الشرعية. وحسبك من صحة هذه القاعدة أنك لاتجد عالما اشتهر في الناس الأخذ عنه إلا وله قدوة اشتهر في قرنه بمثل ذلك. وقلما وُجدت فرقة زائغة ولاأحد مخالف للسنة إلا وهو مفارق لهذا الوصف.] [2] .
ثانيا - فوائد التعلم بالتلقي عن العلماء:
وهي ثلاث فوائد:
1 -فوائد متعلقة باتصال السند: بأن يأخذ الطالب عن شيخه كتابا، لشيخه إسناد متصل إلي مُصَنِّف هذا الكتاب، فيكون للطالب بهذا إسناد متصل إلى مصنف الكتاب كأن يجد الطالب شيخا يروي صحيح البخاري بإسناد متصل إلى البخاري رحمه الله، فيأخذه عنه الطالب إما سماعا من الشيخ أو عرضًا عليه أو يجيزه به الشيخ، فيصبح للطالب بهذا إسناد متصل إلى البخاري رحمه الله.
وهذه الفائدة - وهي اتصال السند - أصبحت قليلة الأهمية في هذا الزمان بعد شهرة نسبة الكتب إلى مُصَنِّفيها، كما ستعرفه في الكلام عن الوِجادة إن شاء الله، كما أن جهالة حال كثير من رجال السند الآن يُضعف قيمة هذه الأسانيد. فقد يروي الطالب أحد كتب السنة عن شيخه عن شيوخه، وقد يعرف الطالب حال شيخه ولكنه يجهل حال بقية شيوخ سلسلة الإسناد بسبب إهمال تدوين الجرح والتعديل في الأعصار المتأخرة لاكتفاء العلماء بشهرة الكتب عن تحمّلها بالأسانيد المتصلة.
2 -فوائد متعلقة بفهم العلم: وهي أهم فوائد التعلم بالتلقى عن العلماء والسعي لتحصيل هذه الفوائد هو سبب نهى كثير من السلف عن التعلم من الكتب، واشتهرت بينهم مقولة (لاتقرءوا القرآن على المُصْحفيين، ولاتحملوا العلم عن الصحفيين) . ومعناها لاتأخذوا القرآن عمن أخذه بقراءة المصحف لامن الشيوخ مشافهة، ولاتحملوا العلم ممن تعلم من الصحف (أي الكتب) لامن الشيوخ مشافهة.
وسبب ذلك أن الذي يتعلم من الكتب مباشرة دون إرشاد شيخ لايأمن أن يقع في أحد الأخطاء التالية:
أ - سوء اختيار الكتاب الذي يتعلم منه: وهذا أسوأ مايقع فيه المتعلم، وقد يكون ضلالُهُ في الدنيا وهلاكُهُ في الآخرة بسبب اختياره لكتاب فاسد يتعلم منه، وإنما يرشده إلى الكتب النافعة شيخ ٌ صالح ٌ ونظرًا لأهمية هذه المسألة فسنَبْسُط ُ القول فيها في الباب الرابع من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
ب - الخطأ في نطق الألفاظ: وهو مايُعرف بالتصحيف والتحريف واللحن، بماقد يغيّر المعني
(1) رواه ابن أبى حاتم بإسناده عنه (الجرح والتعديل) لابن أبى حاتم الرازي، ج 6 ص 323
(2) (الموافقات) للشاطبى ج 1 ص 91 - 95، المقدمة الثانية عشرة