وفي هذا يقول النووي رحمه الله [قالوا: ولاتأخذوا العلم ممن كان أخذه له من بطون الكتب من غير قراءة على شيوخ أو شيخ حاذق، فمن لم يأخذه إلا من الكتب يقع في التصحيف ويكثر منه الغلط والتحريف] [1] .
ج - الخطأ في الوقف والوصل: فيقف حيث يجب وصل الكلام، أو يصله حيث يجب الوقف، بما يُخل بالمعنى. فإذا تلقى العلم عن شيخ متمكن أرشده إلى الصوب في هذا. وقد أغلَظَ عبدالعزيز الكناني رحمه الله القول لبشر المريسي الضال بسبب جهله بالوقف والوصل بما آل به إلى الابتداع في الدين، راجع كتاب (الحَيْدَة) لعبدالعزيز الكناني - على تشكيك في صحة نسبته إليه - وفيه مناظرته لبشر في حضرة الخليفة العباسي المأمون. وقال عبدالقاهر الجرجاني رحمه الله ت 471 هـ - وهو مؤسس علم البلاغة - قال [القول في الفَصل والوَصْل: اعلم أن العلم بما ينبغي أن يُصنَع في الجُمَل من عطف بعضها على بعض، أو ترك العطف فيها والمجيء بها منثورة تُستأنف واحدة منها بعد أخرى، من أسرار البلاغة - إلى أن قال - وقد بلغ من قوة الأمر في ذلك أنهم جعلوه حدًا للبلاغة، فقد جاء عن بعضهم أنه سُئِل عنها فقال: معرفة الفصل من الوصل .... ] إلى آخر ماقال [2] .
د - الخطأ في فهم المعنى المراد: وكان هذا هو سبب ظهور أول الفرق الضالة في هذه الأمة، وهم الخوارج الذين خرجوا على عهد على بن أبى طالب رضي الله عنه، فاعتمدوا على أنفسهم في فهم معاني القرآن دون الرجوع إلى الشيوخ (الصحابة رضي الله عنهم) ففهموا من القرآن غير المراد به، فاستحلوا دماء المسلمين وأموالهم، وهذا هو معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم (يقرأون القرآن لايجاوز حناجرهم) وفي رواية (لايجاوز تراقيهم) [3] ، أي قراءة ترديد بالحناجر لا تصل إلى القلوب محل الفهم، فأخطأوا في فهم المعاني، ولم يكن في الخوارج صحابيٌ واحدٌ ولله الحمد. فلايأمن الطالب من الخطأ في فهم المعنى إلا بالتلقي عن شيخ صالح متمكن.
وفي هذا يقول النووي - في آداب طالب العلم - [ولايحفظ ابتداء من الكتب استقلالا، بل يُصحِّح على الشيخ كما ذكرنا، فالاستقلال بذلك من أضر المفاسد، وإلى هذا أشار الشافعي رحمه الله بقوله: من تفقّه مِن الكتب ضيَّع الأحكام] [4] .
وقال الخطيب البغدادي رحمه الله [ولابد للمتفقِّه من أستاذ يَدْرُس عليه، ويرجع إليه في تفسير ماأشكل عليه، ويتعرف منه طرق الاجتهاد، ومايفرق به بين الصِّحة والفساد. ثم روى الخطيب بإسناده أنه قيل لأبي حنيفة: في المسجد حلقة ينظرون في الفقه، فقال: لهم رأس؟، قالوا لا، قال لايَفْقه هؤلاء أبدًا] [5] .
ومن الخطأ في فهم المعني: الاستدلال بالمجمل مع الجهل بما يبيِّنه، والاستدلال بالعام مع الجهل بما يخصصه، والاستدلال بالمطلق مع الجهل بمايُقيده، وقد يستدل بالخاص في موضع العام أو بالمقيد في موضع المطلق، وقد يستدل بالمنسوخ. وكل هذا وقعت فيه الفرق الضالة المخالفة لأهل السنة والجماعة، فعمدة أهل البدع والضلال: الاستدل ببعض النصوص دون بعض، وعمدة أهل السنة: الجمع بين النصوص، فإذا واجهت المبتدعة بالنصوص التي تُبطل بدعتهم تمادوا في ضلالتهم فتأوّلوها أو أنكروها.
هـ - عدم تمييز الصحيح من الضعيف: سواءً في الأحاديث أو في أقوال العلماء في الفقه، فقد يقرأ قولًا مرجوحا أو
(1) (المجموع) ج 1 ص 36
(2) انظر (دلائل الإعجاز في علم المعاني) للجرجاني، ط دار المعرفة 1402 هـ، ص 170 - 171
(3) متفق عليه
(4) (المجموع) ج 1 ص 38
(5) (الفقيه والمتفقه) ج 2 ص 83