باطلًا ويظنه الحق كله، وهذا بسبب عدم معرفته بالقول الصحيح الراجح في المسألة. ولو درس على يد شيخ متمكن لأرشده إلى هذا.
وفي هذا نَقَلَ ابن القيم عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قوله [سألت أبي عن الرجل يكون عنده الكتب المصنفة فيها قول رسول اللهص والصحابة والتابعين، وليس للرجل بَصَر بالحديث الضعيف المتروك ولا الإسناد القوي من الضعيف، فيجوز أن يعمل بما شاء ويتخير منها فيفتى به ويعمل به؟، قال: لايعمل به حتى يسأل مايؤخذ به منها فيكون يعمل على أمر صحيح، يسأل عن ذلك أهل العلم.] [1] .
و - عدم التمييز بين اصطلاحات العلوم المختلفة: فقد يقرأ الطالب مصطلح (السنة) في الفقه ويعلم أنها المندوب وأنها دون الواجب، ثم يقرأ نفس المصطلح في أصول الفقه أو علم الحديث فيظن أن كل سُنّة هي من المندوب. وإنما يرشده إلى الصواب في هذا شيخ متمكن.
ز - عدم التمييز بين اصطلاحات المذاهب الفقهية المختلفة: فقد يقرأ الطالب كتابا في الفقه ويقرأ فيه مصطلحات: (نص عليه) ، أو (قال القاضي) ، أو (قال الشيخ) ، أو (في أحد الأقوال كذا) ، أو (وفي أحد الأوجه كذا) . والطالب لايفقه من هذه المصطلحات شيئا، وإذا علم معناها في مذهب ٍ ما فقد ينقل المعنى إلى مذهب آخر فيخطئ. وإنما يرشده إلى الصواب في هذا شيخ متمكن.
فهذه بعض الأخطاء التي يقع فيها الطالب إذا درس من الكتاب استقلالا، هذا إذا أحسن اختيار الكتاب، فكيف إذا أساء الاختيار؟. وإنما يأمن من هذه الأخطاء بتلقي العلم عن شيخ متمكن، إما سماعًا من الشيخ وإما قراءة عليه. والأمن من هذه الأخطاء ومعرفة الصواب في النطق والمعنى والأحكام هي أهم فوائد التعلم بالتلقي عن العلماء.
3 -التَّأدُّب بأدب العلماء: من الحِلْم والسَّكينة والوقار وغيرها من الآداب الفاضلة والتي تنتقل بالمحاكاة من الشيخ إلى طلابه، وقد كان علماء السلف يحرصون على تأديب تلاميذهم كحرصهم على تعليمهم. كما كان الطلاب يحرصون على التأدب بآداب شيوخهم كحرصهم على التعلم منهم. وسيأتي بسط هذا الأمر في الباب الرابع من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
ثالثا- مايلزم المتلقي عن العلماء من إرشادات.
المتلقيّ للعلم عن العلماء له حالان:
أ - إما أن يكون طالبا للعلم يدرس على العلماء، وهذا سنذكر مايلزمه من إرشادات في الباب الرابع (آداب العالم والمتعلم) إن شاء الله.
ب - وإما أن يكون مستفتيا يسأل العلماء في نازلة، وهذا سنذكر مايلزمه من إرشادات في الباب الخامس (أحكام المفتي والمستفتي وآدابها) إن شاء الله.
(فائدة) من الوسائل المستحدثة التي تقوم مقام التلقي عن العلماء مشافهة ولو جزئيا: الأشرطة المسجلة لدروس العلماء وشروحهم لبعض كتب العلم الهامة، وإنما قلت: ولو جزئيا، لأنها لاتسمح بالمراجعة والاستفسار، ومع ذلك فهي تحقق كثيرًا من فوائد هذا التلقي خاصة من ناحية فهم ما بالكتب.
هذا مايتعلق بالطريق الأول لطلب العلم، وهو التعلم بالتلقي عن العلماء مشافهة.
(1) (إعلام الموقعين) ج 4 ص 206