أو يجوز لرجل مسلم أن يلي القضاء في ظل هذا الياسق العصري، وأن يعمل به، ويعرض عن شريعة الله البينة؟ ما أظن أن رجلًا مسلمًا يعرف دينه، ويؤمن به جملة وتفصيلا، ويؤمن بأن هذا القرآن أنزله الله على رسوله كتابا محكمًا، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبأن طاعته وطاعة الرسول الذي جاء به واجبة قطعية الوجوب في كل حال، ما أظنه يستطيع إلا أن يجزم غير متردد ولا متأول بأن ولاية القضاء في هذه الحال باطلة بطلانًا أصليًا. لا يلحقه التصحيح ولا الإجازة.
إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس. هي كفر بواح، لا خفاء فيه ولا مداورة. ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام - كائنا من كان - في العمل بها أو الخضوع لها أو إقرارها، فليحذر امروء لنفسه، وكل امريء حسيب نفسه».
ألا فليصدع العلماء بالحق غير هيابين، وليبلغوا ما أمروا بتبليغه، غير موانين ولا مقصرين.] [1] .
(ج) وفي تعليقه على تفسير قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ) آل عمران: 149، قال أحمد شاكر رحمه الله [وقد وقع المسلمون في هذه العصور الأخيرة فيما نهاهم الله عنه من طاعة الذين كفروا فأسلموا إلى الكفار عقولهم وألبابهم، وأسلموا إليهم - في بعض الأحيان - بلادهم، وصاروا في كثير من الأقطار رعية للكافرين من الحاكمين، وأتباعًا لدول هي ألد الأعداء للإسلام والمسلمين، ووضعوا في أعناقهم ربقة الطاعة لهم، بما هو من حق الدولة من طاعة المحكوم للحاكم. بل قاتل ناس ينتسبون للإسلام من رعايا الدول العدوة للإسلام - إخوانهم المسلمين في دول كانت إسلامية إذ ذاك. ثم عم البلاء، فظهر حكام في كثير من البلاد الإسلامية يدينون بالطاعة للكفار - عقلا وروحًا وعقيدة - واستذلوا الرعية من المسلمين وبثوا فيهم عداوة الإسلام بالتدريج، حتى كادوا يردوهم على أعقابهم خاسرين، وما أولئك بالمسلمين. فإنا لله وإنا إليه راجعون.] [2] .
(د) وفي تعليقه على تفسير قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ) البقرة: 278 - 279، قال أحمد شاكر رحمه الله[فانظروا - أيها المسلمون إن كنتم مسلمين إلى بلاد الإسلام في كافة أقطار الأرض إلا قليلا، وقد ضربت عليها القوانين الكافرة الملعونة، المقتبسة من قوانين أوربة الوثنية الملحدة، التي استباحت الربا استباحة صريحة بألفاظها وروحها، والتي يتلاعب فيها واضعوها بالألفاظ، بتسمية «الربا» : «فائدة» حتى لقد رأينا ممن ينتسب إلى الإسلام، من رجال هذه القوانين ومن غيرهم ممن لا يفقهون - من يجادل عن هذه الفائدة، ويرمي علماء الإسلام بالجهل والجمود، إن لم يقبلوا منهم هذه المحاولات لإباحة الربا.
أيها المسلمون! إن الله لم يتوعد في القرآن بالحرب على معصية من المعاصي غير الربا. فانظروا إلى أنفسكم وأممكم ودينكم. ولن يغلب الله غالب.] [3] .
وتأمل قوله (قوانين أوربة .... التي استباحت الربا استباحة صريحة بألفاظها) ، وذلك لأن التشريع المخالف لشرع الله هو استحلال واستباحه كما ذكرته في المقدمة السابعة عشرة بالمسألة الخامسة بهذا الموضوع. [4]
(1) (عمدة التفسير) 4/ 173 - 174
(2) (عمدة التفسير) 3/ 51
(3) (عمدة التفسير) 2/ 197
(4) وللشيخ أحمد شاكر كلام آخر في القوانين الوضعية والحكم بها راجعه في المواضع التالية:
* في (عمدة التفسير) ج 1 ص 175 و 204 و 227 - 228، ج 2 ص 192، ج 3 ص 38 و 102 - 109 و 125 و 135، ج 4 ص 146 - 147.
* وفي تعليقه على (المسند لأحمد بن حنبل) ج 6 ص 303 و 305.
* وفي تعليقه على (الرسالة للشافعي) ص 505.