فهرس الكتاب

الصفحة 1172 من 1285

وهذا يعني أن زوال حكم الإسلام من بلاد المسلمين وحلول أحكام الكفار محله هو نقص من دين الأمة ونقص من نعمة الله عليها، وهذا لايقع أبدًا إلا إذا بلغ المسلمون من الفساد مبلغا يستوجب هذه العقوبة، كما قال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) الأنفال: 53، وقال تعالى (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) الشورى: 30.

ومع وقوع هذه المصيبة وهي زوال حكم الإسلام وحلول أحكام الكفار محله في بلاد المسلمين، وما صاحب ذلك من زوال دولة الخلافة، سعي المسلمون أفرادًا وجماعات لتدارك الأمر، فأعلنت جماعات كثيرة أنها تسعى لإعادة الخلافة وإقامة حكم الإسلام، ومع ذلك لم يكتب النصر والتوفيق لأحدٍ منها، وهذا لابد وأن يرجع إلى نقص في الإيمان. فقد قال تعالى (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) الروم: 47، ووعد الله حق، فإذا لم يأت النصر دل على نقص الإيمان وأن العبد لم يستكمل بعد شرط استحقاق النصر. والتقصير إما أن يتعلق بالعمل الظاهر وهو متابعة الشريعة وإما أن يتعلق بالعمل الباطن وعلى رأسه الإخلاص. قال تعالى (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) الكهف: 110، فقد جمعت هذه الآية شرطي قبول العمل: وهما موافقة الشريعة (فليعمل عملا صالحا) والإخلاص (ولا يشرك) .

وأنا لا أقصد هنا النقد على وجه الاستيعاب ولكني أردت الإشارة إلى بعض أوجه التقصير في العمل الإسلامي مما لمسته ولمسه كثير غيري، وهذه الأوجه راجعة إما إلى نقص في موافقة الشريعة أو نقص الإخلاص، وكلاهما من نقِصِ الإيمان الذي يترتب عليه الحرمان من التوفيق.

أولا: فمن أوجه التقصير: التعجل في العمل الإسلامي: والتعجل علة الحرمان، كما يقول الفقهاء، وقالوا: من تعجّل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. ومن صور التعجل:

1 -سلوك الطريق الديمقراطي ظنًا بأنه أسرع طرق التغيير، وقد تكلمت في فساد الديمقراطية وأساليبها في موضوع السياسة الشرعية بأول هذا المبحث الثامن، وفي أول الباب الرابع من هذا الكتاب عند الكلام في النية.

2 -التحالف مع جهات كافرة - من الدول أو الأحزاب العلمانية - مع قوله عليه الصلاة والسلام (إني لا استعين بمشرك) [1] .

3 -الاجتماع على غير منهج: كقيام بعض الجماعات بحشد أفرادها على غير منهج أو على مباديء عامة تتسع لتفسيرات متناقضة للتكيف مع المتغيرات السياسية، ولجمع أكبر عدد من الأفراد من ذوي الاتجاهات المتناقضة. وهذه الجماعات أقرب إلى أن تكون أحزابًا سياسية منها إلى أن تكون جماعات دينية. وهذا كله مخالف لمنهج النبي وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن الحق يجب إظهاره وإن لم يتبعه أحد ويحرم كتمانه أو تحريفه ولبسه بالباطل لأجل تكثير الاتباع، قال تعالى (قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) المائدة: 100، والداعية مسئول أمام الله عن قول الحق لا عن عدد أتباعه، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام (عُرضت عَلَي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد) [2] . فهذا نبي لم يتبعه أحد من قومه، وهذا لايضره مادام قد بلّغ ماجاء به من الحق.

(1) رواه مسلم

(2) الحديث متفق عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت