4 -ومن صور التعجل: التعجل في تأليف الكتب ووضع المناهج للجماعات بدون أهلية لذلك. فتخرج الكتب والمناهج مشتملة على انحرافات عقائدية وغرائب في الأحكام وقد ضربت في آخر مبحث الاعتقاد أمثلة على ذلك. حتى أنك تجد جماعتين أو عدة جماعات هدفها واحد ومناهجها متباينة متناقضة، مع أن الحق واحد لايختلف ولايتناقض، وما الاختلاف إلا بسبب فساد المناهج الناشيء عن التعجل في التأليف، وتجد مع ذلك (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) الروم: 32.
5 -ومن صور التعجل: ترأس الجُهّال مع دعوى الجميع أنهم يسعون إلى الخلافة الراشدة، ولا تتأتى هذه بأمراء جُهال بعلوم الشريعة، فقد قال رسول الله عليه الصلاة والسلام (إن الله لايقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء بعلماء الشريعة، حتى إذا لم يُبق عالما اتخذ الناس رءوسًا جهالا فسُئِلوا فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلوا) [1] . فإمارة الجهال لاتأتي بخلافة راشدة، بل لاتأتي إلا بالضلال كما في هذا الحديث. وقد رأيت بعض مسئولي الجماعات يحرمون على أتباعهم قراءة كتب السلف، ورأيت آخرين يحرمون على أتباعهم قراءة كتب علماء الدعوة النجدية بدعوى أنها كتب التكفير. وهذه بعض صور الضلال المذكورة في الحديث السابق. ورأيت آخرين يفعلون مايرونه برأيهم ثم يلفقون بحثًا شرعيا لتبرير فعلتهم. ورأيت جماعات يرأسها الجهال وفي أتباعهم من عنده شيء من العلم الشرعي يتخذونه مفتيًا لهم عمله تلفيق الفتاوى التي تخلع الشرعية على تصرفات الأمراء، ولهم فتاوى متناقضة تماما في المسألة الواحدة بحسب توجهات الأمراء وأهوائهم، وهؤلاء أشبه شيء بالمفتين الذين ينصبهم الحكام الطواغيت لاسباغ الشرعية عليهم.
6 -ومن صور التعجل: إمارة الصبيان والأحداث، وهي من أسباب الفتن والخلاف، ولهذا بوّب لها البخاري في كتاب الفتن من صحيحه في باب (قول النبي عليه الصلاة والسلام هلاك أمتي على يَدَي أغيلمة سفهاء) . وقال ابن حجر في شرحه [قال ابن بطال: جاء المراد بالهلاك مبينًا في حديث آخر لأبي هريرة أخرجه علي ابن معبد وابن أبي شيبة من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه «أعوذ بالله من إمارة الصبيان، قالوا: وما إمارة الصبيان؟ قال: إن أطعتموهم هلكتم - أي في دينكم - وإن عصيتموهم أهلكوكم» أي في دنياكم بإزهاق النفس أو بإذهاب المال أو بهما.] [2] . وقد وصف النبي عليه الصلاة والسلام الخوراج بأنهم (حدثاء الأسنان) أي صغار السن.
7 -ومن صور التعجل: السير في الدعوة بالمقلوب، فالنبي عليه الصلاة والسلام بدأ بالدعوة وتمييز الحق من الباطل وتمييز المؤمن من الكافر، حتى قال الكفار إنه عليه الصلاة والسلام فرّق بين الأب وولده وبين المرء وزوجه، كما بدأ عليه الصلاة والسلام بجدال الكفار ودحض شبهاتهم وأباطيلهم، فاتبعه من اتبعه على بصيرة بما يدعو إليه، وعاداه من عاداه على بصيرة بما عاداه من أجله، ثم شرع في ترسيخ الإيمان في نفوس أتباعه، وأخذ يطلب النصرة والمنعة، ثم شرع في قتال أعداء الله. أما في هذا الزمان فالأمر يسير بالمقلوب: فيبدأ بالقتال قبل ترسيخ الإيمان وقبل نشر الدعوة وقبل معرفة الحق من الباطل. ولهذا فلا تعجب إذا رأيت بعض الجماعات الإسلامية تطلب الدليل الشرعي وهي في السجون على ماكانت تفعله من قبل، فتتعارض وجهات النظر، وتؤلف الأبحاث الشرعية المتناقضة، ثم يكفِّر الناس بعضهم بعضًا ويُبَدِّع بعضهم بعضا. وهذه كلها من آثار التعجل الذي هو علة الحرمان والندم.
8 -ومن صور التعجل: تعجل الصدام المسلح مع الحكومات الكافرة قبل الاستعداد الكافي لذلك بما لهذا التعجل من
(1) متفق عليه
(2) (فتح الباري) 13/ 10