آثار مدمرة أحيانا. وليس الواجب الشرعي هنا هو مجرد النكاية في الحكومات الكافرة حتى يقدم عليها بضع عشرات من المسلمين وإن كانت هذه النكاية هي عمل صالح في ذاتها لقوله تعالى (وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ) التوبة: 120، ولكن الواجب هو تغيير هذه الحكومات وإزالتها وإقامة حكومة إسلامية لامجرد النكاية، وذلك لقوله تعالى (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه) الأنفال: 39 39. ويرجع تعجل الصدام لأسباب منها:
(أ) الجهل بالفرق بين الإيمان بالواجب وبين القدرة عليه. فإنه يجب الإيمان بوجوب جهاد هذه الحكومات لما قدمناه من أدلة على ذلك، ولكن القيام بهذا الواجب يحتاج مع العلم والإيمان به إلى القدرة على القيام به، كالحج والزكاة وغيرهما من العبادات: الإيمان بها واجب، ولكن القيام بها متوقف على القدرة، فإذا تحقق العجز سقط الوجوب، (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) البقرة: 286. إلا أنه في حالة الجهاد خاصة يجب الإعداد له عند العجز وذلك للنص الوارد في ذلك وهو قوله تعالى (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ، وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ) الأنفال: 59 - 60. قال ابن تيمية رحمه الله [وصارت تلك الآيات في حق كل مؤمن مستضعف لايمكنه نَصْرُ الله ورسوله بيده ولابلسانه فينتصر بما يقدر عليه من القلب ونحوه، وصارت آية الصَّغَار على المعاهدين في حق كل مؤمن قويّ يقدر على نَصْر الله ورسوله بيده أو لسانه، وبهذه الآية ونحوها كان المسلمون يعملون في آخر عمر رسول الله عليه الصلاة والسلام وعلى عهد خلفائه الراشدين، وكذلك هو إلى قيام الساعة، لاتزال طائفة من هذه الأمة قائمين على الحق ينصرون الله ورسوله النَّصْرَ التامَّ، فمن كان من المؤمنين بأرضٍ هو فيها مستضعف أو في وقتٍ هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآيةِ قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتُوا الكتاب حتى يُعطوا الجزية عن يد ٍ وهم صاغرون] [1] . وقال أيضا [والمصلحة في ذلك تتنوع، فتارة تكون المصلحة الشرعية القتال، وتارة تكون المصلحة المهادنة، وتارة تكون المصلحة الإمساك والاستعداد بلا مهادنة] [2] . وفي كلامه عن سد الذرائع قال ابن القيم رحمه الله [أنه تعالى نهى المؤمنين في مكة عن الانتصار باليد، وأمرهم بالعفو والصفح، لئلا يكون انتصارهم ذريعة إلى وقوع ماهو أعظم مفسدة من مفسدة الإغضاء واحتمال الضيم، ومصلحة حفظ نفوسهم ودينهم وذريتهم راجحة على مصلحة الانتصار والمقابلة] [3] . والحاصل أنه يجب التفريق بين الإيمان بالواجب والقدرة على القيام به.
(ب) وقد يكون من أسباب تعجل الصدام الرغبة في إدراك النصر، وهذا غير مُتَعَبد به أعيان المسلمين وإنما متعبد به مجموع المسلمين. فالنصر ليس واجبا على فرد بعينه أو جماعة بعينها وإنما يجب هذا على مجموع المسلمين، أما مايجب على الأعيان فهو السعي في هذا قدر الطاقة وله أجره كاملا عند الله بقدر سعيه وإن لم يدرك الغاية كما قال تعالى (وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ) النساء: 100. ولهذا فقد قال تعالى (وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) النساء: 74، فالمجاهد له أجره سواء قُتِلَ أو غَلَب. أما النصر والتمكين فهو واجب
(1) (الصارم المسلول) ص 221
(2) (مجموع الفتاوى) 15/ 174
(3) (اعلام الموقعين) 3/ 150