على المجموع كما قال تعالى (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه) الأنفال: 39، فيجب أن يستمر السعي بصوره المختلفة حتى يتم التمكين لدين الله تعالى.
(ج) وقد يكون من أسباب تعجل الصدام طاعة الأمير في ذلك، وهنا إذا اتفق رأى أتباعه على أنه لا مصلحة في الصدام فإنه يجب عليهم ألا يطيعوه، فقد قال محمد بن الحسن الشيباني في (باب مايجب من طاعة الوالي ومالا يجب) : [فإذا كان عندهم أنهم لو أطاعوه هلكوا، كان أمره إياهم بذلك قصدًا منه إهلاكهم واستخفافا بهم، وقد ذم الله تعالى الطاعة في ذلك، فقال (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) الزخرف: 54] [1] .
(د) وقد يكون من أسباب تعجل الصدام: تقليد أنموذج قتالي نجح في بلد ٍ ما، في بلدٍ آخر تختلف ظروفه عن البلد الأول، فلا يكتب له النجاح. والرأي هنا: أن أسلوب التغيير المناسب لبلد ٍ ما هو الأسلوب الذي جُرِّب ونجح من قبل، هذا هو ماينبغي اتباعه مع إدخال تعديلات عليه تتناسب مع تغير الأحوال والزمان.
فهذه بعض صور التعجل، الذي هو سبب الحرمان، وقال عمر بن الخطاب [إن الحرب لايُصلحها إلا الرجل المكيث] أي المتأني. وقال (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَاتُوْا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا) البقرة: 189، فكل شيء - ومنه التغيير الإسلامي - له بابه الذي يجب أن يُؤتى منه، أما تسلّق الأسوار - بانتهاج الديمقراطية أو بالاجتماع على غير منهج أو بالتعجل في التأليف أو بتعجل الصدام - فليس من البر وليس من التقوى ولا يثمر إلا الحرمان والندم [2] .
(1) من كتابه (السير الكبير) 1/ 166
(2) (قال الشيخ أبو محمد حفظه الله[فالواجب عدم إطلاق هذا الكلام فيما وصفه بتعجل الصدام، وهو محاولة قتال وجهاد هذه الحكومات الكافرة مع التيقن من عدم إمكان تغييرها في ذلك الصدام، فإخراج هذا القتال من البر والتقوى تعجّل من المصنف، وإن كان يورث حرمان إقامة الدولة لمن تعجّل به، لكنه إن شاء الله لا يورث الندم، بل إما الأجر أو الشهادة، وإنما يورث الندم عند من ابتغى به غير وجه الله، أو أقام به على غير بصيرة ودون علم وهدى ومعرفة بالواقع والمصالح والمفاسد.
ونحن نعتقد ونبين دائمًا بأن الواجب على الأمة هو العمل الجاد لجهاد يكون فيه تغيير هذا الواقع وإقامة الدولة المسلمة لتحقيق التوحيد ودحر الشرك والتنديد، ولكن هذا لا يعني عدم مشروعية الجهاد والقتال وإن لم يثمر إقامة الدولة حالًا، فإن الجهاد عبادة مشروعة كالصلاة وسائر العبادات، وهي المدرسة التي يتربى من خلالها الجند الذين سيغيرون هذا الواقع إن شاء الله، والأدلة على مشروعية ذلك كثيرة لا يتسع هذا المجال الضيق لسردها.
والمصنف نفسه قد قال (ص918) تحت رقم (8) : [وإن كانت هذه النكاية هي عمل صالح في ذاتها لقوله تعالى (وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ) التوبة: 120.]
وهذه ليست دعوة مني أو تشجيع على العمل العشوائي غير المنظم والمدروس ودون إعداد، والذي يسميه البعض: بالأعمال اليائسة أو التزبّب قبل التحصْرم، كلا، فلا زلنا مع قولنا بجواز الجهاد الفردي والجماعي، نحث على ترسيخ العقيدة والخبرة بمكائد العدو ونقاط ضعفه، والبصيرة بالأحكام الشرعية وبالواقع وفقه المصالح والمفاسد، وغير ذلك مما ندندن عليه، كي تكون الضربات في أعداء الله موجعة، تدفع الدعوة والجهاد إلى الأمام وتظهر صورة الجهاد المشرقة واضحة غير مشوّهة بين الخلق، وليست مجرد أعمال عشوائية مبتورة غير مدروسة الثمرة، والتوقيت والأهداف، وربما تقرّ أعين أعداء الله ويفرحون بها، بل ربما تعمدوا تضخيم شأنها عبر وسائل إعلامهم، خصوصًا عند نجاحهم في كشف فاعليها بسرعة مع أن منفذيها شباب حدثاء أسنان، تنقصهم الخبرة والعدة والبصيرة، وذلك ليعظموا جهودَ جنود الشرك الذين دحضوا تلك المخططات! وكشفوا أمر أولئك الشباب، تخويفًا لمن تحدّثه نفسه بمثل ذلك، كما قال تعالى: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ) آل عمران: 175. ومفاخرة بخبراتهم، ونشرًا للإحباط والتخذيل بين صفوف الشباب، وليحصلوا بذلك على مزيد من الصلاحيات والرتب والنياشين بتعجّل أولئك الشباب وقلّة خبراتهم وتفريطهم بالإعداد الجاد.
ولا يعجل القارئ فيظن أنني أشترط النجاح والنصر للعمل كي يكون جهادًا شرعيًا، بل الذي أرمي إليه وأدعو إليه، هو بذل الوسع في الإعداد التربوي والمادي بترسيخ العقيدة وتعميق الخبرة بالواقع، ليجمع العمل - ولو كان صغيرا - بين البصيرة في الأحكام الشرعية والواقع، وبين التواصل في العمل (فلا يزال) سنة ظاهرة قائمة تحيي النفوس، مع الثبات على الحق في كل الأحوال.
وأُحذّر من أعمال تجمع بين الجهل في الأحكام الشرعية والواقع، والعشوائية في أعمال مبتورة غير مدروسة، يعقبها مواقف تخاذل وذلة بين يدي أعداء الله وتشويه للدعوة والجهاد، فتورث بذلك حقًا، الندامة والإحباط والتخذيل.
فكم تألمنا على شباب تعجلوا الصدام، حاديهم في ذلك الحماس الأجوف قبل أن يرسخ الإيمان في قلوبهم ودون أن يتبصّروا في الأحكام الشرعية والواقع، وكأنما الغاية أن يعملوا عملًا ماديًا كيفما كان ذلك العمل، تأثرًا بما يسمّونه من أخبار إخواننا في بلدان أخرى، قد قطعوا شوطًا لم يقطع هؤلاء الشباب عشر معشاره بعد، ودون مراعاة لاختلاف الظروف والأحوال والإمكانات.
وربما سعى بعضهم لقلّة معرفته بالأحكام الشرعية في أعماله العشوائية إلى عقوبة بعض العصاة بأشد مما شرعه الله، من قتل أو قطع أعضاء أو استحلال مال ونحوه مما ينغمس فيه بعض المتحمسين عن غير بصيرة، ولا يفرق في المعاملة بين العصاة والكفار، فيُزرون بدعوتهم ويشوّهون جهادهم، وربما انقلب بعضهم في السجن بعد ذلك على عقبيه فاعترض على أقدار الله وبرئ من إخوانه وقال أقوالًا تشوّه الدعوة وقد تردّه عن الدين.
ثم رأينا بعد هذا كله من يُذل نفسه وأهله لأعداء الله، يستجدي الطواغيت والمشركين من نواب البرلمان، كي يفرجوا ويعفوا عنهم، فأي جهاد هذا الذي لا يتقي الله أصحابه في دينهم وتوحيدهم الذي هو أهم مصلحة في الوجود، فيشوّهوه بأمثال هذه التناقضات؟
والخلاصة: أن الذي أريد قوله بعد هذا الاستطراد هو كالذي قاله أسعد بن زرارة رضي الله عنه لقومه بين يدي بيعتهم للنبي صلى الله عليه وسلم.
يا قوم إما أن تأخذوا هذا الجهاد - سواء كان فرديًا أم جماعيًا، وسواء أقام دولة الإسلام أم لم يقمها - إما أن تأخذوه بحقه وتتحملوا تبعاته، فلا تنقلبوا على أعقابكم وتشوّهوا دين الله، أو فذروه، واشتغلوا بالدعوة إذا لم تتحملوا تلكم التكاليف، فإن ذلك أعذر لكم عند الله، من أعمال تقوم على التخبط والجهل ثم تختم بالتناقض وتشويه الدعوة والتوحيد، أو بالذل واستجداء أعداء الله.
أقول هذا نصحًا لإخواني، وتحريضًا على الأطيب والأفضل والأنكى بأعداء الله، لا تخذيلًا، مع معرفتي بأن الصور المشرقة الثابتة بين أبناء هذا الدين كثير، ولعل التفصيل في هذا الباب يكون له محل آخر.] النكت اللوامع ص (46 - 48)