ما يكتبه العلماء من العلم يصل إلى طالب العلم إما باتصال في السند بين العالم والطالب وإما بانقطاع في السند. وفي كلا الحالين فإن الطالب لايسمعه من العالم (السَّماع) ولايقرأه عليه (العَرْض) .
1 -طرق مايصل إلى الطالب مما كتبه العالم باتصال السند، منها
أ - المناولة: أن يعطي العالم كتابه للطالب ليرويه عنه.
ب - والمكاتبة: أن يكتب العالم كتابا - أو يأمر ثقة بكتابته - ويرسله مع ثقة إلى الطالب بحيث لايشك الطالب أن هذا كتاب العالم.
ج - والإعلام: أن يخبر العالم الطالب أن هذا الكتاب كتابه.
د - والوصية: أن يوصي العالم عند سفره أو موته بكتبه أو بكتابه إلى شخص معين، بحيث لايشك الطالب في نسبة الكتاب إلى صاحبه.
2 -طرق مايصل إلى الطالب مما كتبه العالم بانقطاع في السند وهو طريق واحد يسمى الوِجادة، مصدر وَجَد، وبهذا الطريق نتحمل العلم من كتب العلم المنتشرة في هذا الزمان سواء كانت كتب تفسير أو حديث أو فقه أو غيرها. وهذا طريق مشروع لتحمّل العلم وروايته والعمل به إذا تحقق الطالب من نسبة الكتاب إلى صاحبه، وتفصيل ذلك فيما يلي:
خامسا - أقوال العلماء في جواز العمل بالوِجَادة
1 -قال النووي رحمه الله[الوِجادة: وهي مصدر لوَجَد، مُوَلَّد غير مسموع من العرب. وهي أن يقف على أحاديث بخط راويها لا يرويها الواجد فله أن يقول وجدت أو قرأت بخط فلان أو في كتابه بخطه حدثنا فلان ويسوق الإسناد والمتن، أو قرأت بخط فلان عن فلان، هذا الذي استمر عليه العملُ قديمًا وحديثًا، وهو من باب المنقطع، وفيه شوب اتصال، وجازف بعضهم فأطلق فيها حدثنا وأخبرنا، وأنكر عليه.
وإذا وجد حديثًا في تأليف شخص، قال: ذكر فلان أو قال فلان أخبرنا فلان وهذا منقطع لا شوب فيه، وهذا كله إذا وثق بأنه خطه أو كتابه، وإلا فليقل: بلغني عن فلان، أو وجدت عنه ونحوه، أو قرأت في كتاب: أخبرني فلان أنه بخط فلان، أو ظننت أنه خط فلان، أو ذكر كاتبه أنه فلان، أو تصنيف فلان، أو قيل بخط أو تصنيف فلان.- إلى أن قال:
أما العمل بالوِجَادَةِ فنقل عن معظم المحدثين المالكيين، وغيرهم أنه لايجوز. وعن الشافعي ونُظَّار أصحابه جوازه، وقطع بعض المحققين الشافعيين بوجوب العمل بها عند حصول الثقة، وهذا هو الصحيح الذي لايتجه هذه الأزمان غيره.] [1] .
2 -وقال السيوطي رحمه الله في تعريف الوجادة [قولهم وجادة: فيما أُخِذَ من العِلم من صحيفة من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة.] ثم قال السيوطي:
[قال البلقيني: واحتج بعضهم للعمل بالوجادة بحديث: «أي الخلق أعجبُ إيمانًا؟ قالوا: الملائكة، قال: وكيف لايؤمنون وهم عند ربهم؟ قالوا: الأنبياء، قال: وكيف لايؤمنون وهم يأتيهم الوحي، قالوا: نحن، قال: وكيف لاتؤمنون وأنا بين أظهركم، قالوا. فمن يارسول الله؟ قال: قوم يأتون من بعدكم يجدون صحفًا يؤمنون بما فيها» .
قال البلقيني: وهذا استنباط حسن.
قلت: المحتج بذلك هو الحافظ عماد الدين بن كثير، ذكر ذلك في أوائل تفسيره. والحديث رواه الحسن بن عرفة في جزئه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وله طرق كثيرة أوردتها في الأمالي، وفي بعض ألفاظه «بل قوم من بعدكم
(1) (التقريب) للنووي ص 21. وهو متن كتاب (تدريب الراوي) للسيوطي ج 2 ص 60 - 63