يأتيهم كتاب بين لوحين يؤمنون به ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجرًا» أخرجه أحمد والدارمي والحاكم من حديث أبي جمعة الأنصاري وفي لفظ للحاكم من حديث عمر: يجدون الورق المعلم فيعملون بما فيه، فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيمانًا.] [1] .
3 -وقال أبو الحسنات اللكنوي رحمه الله (ت 1304 هـ) - بعد كلامه عن أهمية الإسناد في نقل علوم الدين - قال رحمه الله [بقي ههنا أمر آخر وهو أنه - وإن كان لابد للإسناد في كل أمر من أمور الدين - لكن قد يقوم مقامَه نقل ُ مَن يُعتمد عليه، وتصريحُ من يُستند إليه، لاسيما في الأعصار المتأخرة، لفوات اهتمام الإسناد فيها بالشروط المقررة، فإن شُدد فيها بطلب الإسناد في كل أمرٍ فات المراد، فيُكتفى بتصريح مَن عليه الاعتماد.
ولهذا جوَّزوا العمل والإثبات بالأحاديث المدونة في الكتب المعتمدة، وإن لم يوجد لها عند العامل والمثبت طريق متصل إلى صاحب الحديث أو إلى مؤلف الكتب المدونة.
وجوَّزوا أيضا الاعتماد في المسائل الفقهية على نقل معتمدي الملة الحنيفية، وإن لم يوجد عند المفتي سند مسلسل إلى حضرات الأئمة العلية.
قال علي القاري في «مرقاة المفاتيح» - عند قول صاحب «المشكاة» : «وإني إذا نسبتُ الحديث إليهم كأني أسندت إلى النبي صلى الله عليه وسلم الخ ... » :
عُلِمَ من كلام المصنف أنه يجوز نقل الحديث من الكتب المعتمدة التي اشتهرت وصحت نسبتها لمؤلفها كالكتب الستة وغيرها من الكتب المؤلفة، وسواء في جواز نقله مما ذُكر أكان نقله للعمل بمضمونه - ولو في الأحكام - أو للاحتجاج. ولايُشترط تعدد الأصل المنقول منه. ومااقتضاه كلام ابن الصلاح من اشتراطه حملوه على الاستحباب. ولكن يُشترط في ذلك الأصل أن يكون قد قُوبل على أصل له معتمد مقابلة صحيحة لأنه حينئذ يحصل به الثقة التي مدار الاعتماد عليها صحة ً واحتجاجا.
وعُلم من كلام المصنف أيضا أنه لا يُشترط في النقل من الكتب المعتمدة للعمل أو للاحتجاج أن يكون له به رواية إلى مؤلفيها، ومن ثم قال ابن بَرْهان: ذهب الفقهاء كافة إلى أنه لايتوقف العمل بالحديث على سماعه، بل إذا صحت عنده النسخة من السنن جاز العمل بها وإن لم يسمع. انتهى.
وقال ابنُ الهُمام في «فتح القدير» طريق نقله - أي المفتي عن المجتهد - أحد أمرين: إما أن يكون له سند، أو يأخذ من كتاب معروف تداولته الأيدي نحو كُتُب محمد بن الحسن ونحوها من التصانيف المشهورة للمجتهدين، لأنه بمنزلة الخبر المتواتر عنه أو المشهور، هكذا ذكر الرازي - إلى أن قال اللكنوي -
وفي «القُنية» - نقلا عن «أصول الفقه» لأبي بكر الرازي: فأما ما يوجد من كلام رجل - ومذهبه معروف وقد تداولته النسخ - يجوز لمن نظر فيه أن يقول: قال فلانٌ: كذا وكذا، وإن لم يسمعه من أحد، نحو كتب محمد بن الحسن و «موطأ مالك» ونحوها من الكتب المصنفة في أصناف العلوم، لأن وجودها على هذا الوصف بمنزلة الخبر المتواتر والاستفاضة، لا يحتاج إلى إسناد. انتهى.
وفي «تدريب الراوي شرح تقريب النواوي» :
حكى الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني الإجماع على جواز النقل من الكتب المعتمدة، ولا يشترط اتصال السند إلى مصنفيها وذلك شامل لكتب الحديث والفقه.
(1) (تدريب الراوي) ج 2 ص 64