بمثل ماورد بها في حكم هذه المسألة، وإلا فقد قال عليه الصلاة والسلام (لو كان موسى حيًا ماوسعه إلا اتباعي) [1] ، فكيف يتبع النبي عليه الصلاة والسلام كتاب موسى؟ ومصداق هذا الحديث الأخير من كتاب الله قوله تعالى (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ) آل عمران: 81. ولهذا فبعدما ذكر ابن كثير رواية (فإني أحكم بما في التوراة) قال رحمه الله [فهذه الأحاديث دالة على أن رسول الله عليه الصلاة والسلام حكم بموافقة حكم التوراة، وليس هذا من باب الإكرام لهم بما يعتقدون صحته لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمدي لا محالة، ولكن هذا بوحي خاص من الله عزوجل إليه بذلك وسؤاله إياهم عن ذلك ليقرّرهم على ما بأيديهم مما تواطؤا على كتمانه] [2] ، وقد قال ابن حجر إن رواية (فإني أحكم بما في التوراة) في سندها رجل مبهم، أي لايحتج بها، وأنها إذا ثبتت فتأويلها عنده هو كما نقلناه عن ابن كثير، هذا معنى كلام ابن حجر [3] . وقال ابن تيمية رحمه الله [وهو عليه الصلاة والسلام لم يحكم إلا بما أنزل الله عليه، كما قال (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ) ] [4] . وأما قول الأستاذ محمد حميد الله [فلقاضي المسلمين إذًا أن يطبق على أهل الذمة إذا جاءوه قانونهم لا قانون الإسلام] فقول مخالف للكتاب والسنة والإجماع بناه على قوله إن النبي عليه الصلاة والسلام حكم بينهم بحكم التوراة وهو قول باطل كما سبق بيانه، وقد قال تعالى (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ) المائدة: 49، وقانونهم المبدل المحرّف هو من أهوائهم. وقد ذكرت في أول هذا الموضوع الإجماع على أن عقد الذمة لاينعقد إلا بشرطين: أداء الجزية والتزامهم جريان أحكام الإسلام عليهم.
فهذه بعض الأخطاء الواردة في كتابات المعاصرين في هذا الموضوع، أردت التنبيه عليها ليكون الطالب على بينة منها، ومن اليسير على الطالب أن يدرك هذه الأخطاء وغيرها إذا بدأ دراسته لهذا الموضوع بالمراجع الأساسية التي ذكرتها أولا، أما إذا بدأ بقراءة كتابات المعاصرين فهنا الخطر، إذ قد لا يتبين هذه الأخطاء بل قد يظنها الحق، والأسوأ من ذلك ماقد يعلق بقلب الطالب من التشكيك في الأحكام الثابتة بالأدلة الشرعية بدعاوى هي أَوْهَى من خيوط العنكبوت.
ومن كتابات المعاصرين التي اشتملت على هذه الأخطاء.
1 -كتاب (غير المسلمين في المجتمع الإسلامي) ليوسف القرضاوي.
2 -كتاب (حقوق أهل الذمة في الدولة الإسلامية) لأبي الأعلى المودودي.
3 -كتاب (حكم إحداث الكنائس والبيع والصلوات في بلاد المسلمين) لعبدالله زيد آل محمود، القاضي بالمحاكم الشرعية بقطر.
4 -كتاب (أحكام الذميين والمستأمنين) لعبدالكريم زيدان، وهذا الكتاب قد اشتمل على أخطاء جسيمة قالها المؤلف برأيه بغير مستند من الشريعة، واعتبر المؤلف أن الدول الكافرة الحاكمة بغير الشريعة دول إسلامية وأن النصوص المتعلقة بالأديان في دساتيرها تتفق مع آرائه التي اعتبرها اجتهادات شرعية، مع أن هذه الدساتير علمانية محضة. وادعى المؤلف
(1) الحديث رواه أحمد والدارمي
(2) (تفسير ابن كثير) 2/ 59
(3) (فتح الباري) 12/ 170 - 171
(4) (مجموع الفتاوى) 4/ 111