ضرب الله الحق على لسانه وقلبه وأمَرَ رسول الله عليه الصلاة والسلام باتباع سنته - عمر بن الخطاب - بالغيار، ووافقه عليه جميع الصحابة، واتبعه الأئمة والخلفاء بعده. وإنما قصّر في هذا من الملوك من قلّت رغبته في نصر الإسلام وإعزاز أهله وإذلال الكفر وأهله، وقد اتفق علماء المسلمين على وجوب إلزامهم بالغيار، وأنهم يمنعون من التشبه بالمسلمين في زِيّهم] [1] .
هذا وقد بلغت الجرأة بأحد المعاصرين أن قال [لم تبق إلا مسألة اللباس الذي يميز الذمي من المسلم، وأبادر إلى التأكيد بأن القرآن لم يمسّ هذا، وأن الحديث النبوي لم يعرض له، فليس له إذًا أساس ديني، بل أساسه عندي اجتماعي أو سياسي أو زماني مؤقت، فقد وقع في بعض العصور المتأخرة ثم كاد يصبح بعدها تقليدًا] [2] . ويبدوا أنه لم يقرأ شيئا من الكتاب الذي قدم له، فالغيار معمول به من عصر الصحابة لا في العصور المتأخرة كما قال، والغيار أساسه ديني، سَنَّه خليفة راشد يجب اتباع سنته وأجمع عليه الصحابة وإجماعهم حجة، والعمل بالإجماع ليس تقليدًا بل اتباع كما هو مقرر في أصول الفقه [3] . وأضيف هنا أن العمل بالغيار ليس اجتهادًا قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه برأيه، بل قد دلّت عليه سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي أمر بمخالفة أهل الكتاب والمشركين في شتى الأمور خاصة في الهدي الظاهر، وقد ذكر ابن تيمية جملة من الأحاديث الدالة على ذلك في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم) ، وذكر أحمد بن الصديق الغماري جملة من هذه الأحاديث في كتابه (الاستنفار لغزو التشبه بالكفار) ، وقد ذكر ابن تيمية وجوه الحكمة في الأمر بمخالفتهم وكيف أن التشبه بهم في الظاهر يفضي إلى مشابهتهم في الباطن، كما ذكر ابن القيم الحكمة في إلزامهم بالغيار في عقد الذمة وأنها حتى لايُعامل الكافر معاملة المسلم في دار الإسلام، وذلك في الباب الخاص بسد الذرائع من كتابه (اعلام الموقعين) . وهذا كله في بيان أن إلزام الذميين بالغيار ليس رأيا قابلا للأخذ والردّ، وإنما هو من الأحكام الثابتة في الشريعة وقد دلت عليه عشرات الأحاديث من السنة المشرفة، وتطبيقه منوط بالقدرة كما سبق التنبيه.
7 -ومن الأخطاء الفاحشة ماذكره الأستاذ المشار إليه أعلاه (د. محمد حميد الله) في مقدمة (أحكام أهل الذمة) ص 90، حيث قال إن النبي عليه الصلاة والسلام رجم يهوديين، وقتل يهوديًا عملًا بأحكام التوراة، ثم قال مانصه [فلقاضي المسلمين إذًا أن يطبق على أهل الذمة إذا جاءوه قانونهم لاقانون الإسلام] . أما قوله إن النبي عليه الصلاة والسلام حكم بينهم بالتوراة، فقد قال ابن حزم إن من قال إن النبي عليه الصلاة والسلام حكم بين اليهود بحكم التوراة المنسوخة فهو مرتد [4] . وأقول: سبب الردة هنا هو مخالفة هذا القول للنصوص الدالة على أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يحكم إلا بشريعة الإسلام، وأن القرآن ناسخ لما قبله من الشرائع، قال تعالى (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ) المائدة: 48. ولا أقول إن هذا الكاتب مرتد ولكنه أخطأ خطأ فاحشا، ودخلت عليه الشبهة من أن إحدى روايات حديث رجم اليهوديين ورد فيها أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال (فإني أحكم بما في التوراة، فأمر بهما فَرُجِما) [5] . وليس معناه أنه حكم بالتوراة نفسها بل حكم
(1) (أحكام أهل الذمة) 2/ 756
(2) وقائل هذا اسمه الدكتور محمد حميد الله، شارك د. صبحي الصالح في وضع مقدمة كتاب (أحكام أهل الذمة) لابن القيم. وسمّاه صبحي الصالح بالعلامة الاستاذ الدكتور محمد حميد الله، وكلامه السابق بمقدمة الكتاب في ص 94
(3) انظر «ارشاد الفحول» للشوكاني، ص 246
(4) انظر (الإحكام في أصول الأحكام) لابن حزم، 2/ 104
(5) الحديث رواه أحمد وأبو داود