الرجال والنساء والأطفال ومثلوا بجثثهم. أما مايجري في البوسنة فأمره معلوم للجميع فقد قتل الصرب النصارى آلاف المسلمين واغتصبوا مايزيد عن عشرين ألف امرأة مسلمة واحتجزوهن حتى يلدن أطفالا صربيين في حملة لتنفيذ ماأسموه بالتطهير العرقي لتغيير الخارطة السكانية في البوسنة، وقع هذا وسط سكوت العالم كفارًا ومسلمين. فهل هذا هو التسامح الديني وتقارب الأديان؟.
فهذه هي الذرائع التي توصل بها بعض المعاصرين لإدخال تحريفاتهم على أحكام أهل الذمة الثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، تحللهم من الشروط العمرية بالتشكيك في صحتها وبإدعاء عدم إلزامها، مع القول بالتسامح الديني.
أما أهم أخطاء المعاصرين في هذا الموضوع، فمنها.
1 -القول بأن أهل الكتاب في بلاد المسلمين مازالوا أهل ذمة إلى اليوم، وهذا قول ساقط، وقد بيّنت ماكان عليه العمل وماصار إليه بشأنهم، وأصحاب هذا القول تكذبهم الدساتير العلمانية لهذه الدول فقد اعتمدت المواطنة كأساس للتسوية بين السكان دون النظر إلى دينهم، ولم تشر إلى مصطلح أهل الذمة لا من قريب ولا من بعيد.
2 -القول باسقاط العمل بحكم أهل الذمة في دار الإسلام، والدعوة إلى اعتماد مبدأ المواطنة كبديل، وهو ما قامت عليه الدساتير العلمانية الكافرة، وهذا القول يروج له بعض من يسمون بالمفكرين الإسلاميين في هذا الزمان، ولاشك في كفر من قال بهذا القول لانكاره المعلوم من الدين بالضرورة الثابت بالكتاب والسنة والإجماع.
3 -القول بجواز تولي الذميين للوظائف العامة في دار الإسلام، وهو قول فاسد ليس لصاحبه مستند إلا ماذكره الماوردي في أحكامه السلطانية برأيه، وقد ذكرت من قبل كيف شنع عليه الجويني في (الغياثي) بسبب هذا، وقد استوفى ابن القيم الرد على هذا القول [1] .
4 -القول بجواز إسقاط الجزية عن أهل الذمة للمصلحة أو إذا طبق عليهم نظام التجنيد الإجباري، وهذا خطأ، فالجزية لاتسقط إلا لعجز من جهة المسلمين عن فرضها على أهل الذمة، أو لعجز من جانب بعض الذميين عن أدائها. وتفصيل ذلك في المراجع الأساسية التي ذكرتها من قبل.5 - القول باطلاق الحرية للذميين للدعوة لدينهم وبناء الكنائس في دار الإسلام حتى لا تُضَيِّق الدول النصرانية على المسلمين المقيمين بها، وهذا قول خطأ مبني على خطأ، لأنه إذا وجدت دار إسلام في الدنيا فإنه يجب على المسلمين الهجرة إليها لنصرة أهلها وحتى لايفتنوا في دينهم بالإقامة بين الكفار في بلادهم، كيف وقد قال رسول الله عليه الصلاة والسلام (أنا برئ من كل مسلم يقيم بين المشركين) الحديث؟. وكيف وقد نهى رسول الله عليه الصلاة والسلام عن حمل المصحف عند السفر لبلاد الكفار؟. فذهاب المسلم إلى بلاد الكفار وإقامته بها لاتجوز إلا للضرورة ليست هي الأصل، وليست من المباحات كما تساهل فيها الناس في هذه الأزمان. فليست هذه من الأعذار التي تسقط من أجلها الأحكام الثابتة الخاصة ببناء الكنائس في دار الإسلام.
6 -القول بعدم وجوب إلزام الذميين بالغيار (أي بمخالفة المسلمين في الشعور واللباس والمركب) ، وذلك في دار الإسلام، وأن هذا وإن ورد في الشروط العمرية فهو اجتهاد غير ملزم من عمر رضي الله عنه، وأنه يمكن إلغاء هذا الشرط لاختلاف الزمان. وهذا خطأ، فقد ذكرت من قبل أن الشروط العمرية ملزمة لعموم المسلمين عند القدرة، ولايجوز اعتبار حالة العجز هي الأصل، وقد قال ابن القيم رحمه الله [فلما فتح الله على المسلمين أمصار الكفار، ومَلّكهم ديارهم وأموالهم وصاروا تحت القهر والذل، وجرت عليهم أحكام الإسلام ألزمهم الخليفة الراشد والإمام العدل الذي
(1) في كتابه (أحكام أهل الذمة) ج 1 ص 208 - 244، ط دار العلم للملايين 1983 م