فهرس الكتاب

الصفحة 1218 من 1285

المسلمون في أول الأمر ضعفاء لم يُشرع المخالفة لهم، فلما كَمُل الدين وظهر وعَلاَ شُرِعَ ذلك] [1] .

واتخذ بعض المعاصرين حجة أخرى للتحلل من الشروط العمرية وغيرها من أحكام أهل الذمة، وهي القول بسماحة الإسلام وحضه على البر إلى المخالفين في العقيدة الذين لم يقاتلونا في الدين، وهذه كلمة حق أريد بها باطل إذا أريد تعميمها، فسماحة الإسلام ليست مطلقة ولكنها مقيدة بضوابط شرعية، وإلا فإن الله أمرنا بُبغض الكافرين والغلظة عليهم كما أمرنا بجهادهم. أما أهل الكتاب فلهم أحكام خاصة نص عليها الكتاب والسنة ولايجوز أن تعارض بهذه العموميات، وإلا صار الأمر كمن يُقال له إن لُبس الذهب والحرير حرام على الرجال فيعارضك بقوله تعالى (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ) الأعراف: 32، هذه معارضة باطلة، فلا يجوز معارضة الخاص بالعام، بل يُعمل بكل نص في موضعه. والقائلون بسماحة الإسلام في هذا الشأن متأثرون ببدعة التسامح الديني والتقارب بين الأديان التي اخترعها الكافرون لتضليل المسلمين وصرفهم عن جهادهم كما قال تعالى (وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ)

آل عمران: 69، ويساعدهم في ذلك بعض المنافقين من المنتسبين إلى الإسلام بعقد المؤتمرات والندوات وترويج المطبوعات الداعية لتسامح الأديان لنزع الحمية الدينية من نفوس المسلمين لتظل الأوضاع على ما هي عليه الآن من استعلاء الكافرين على المسلمين، إذ يخشى الكفار من حدوث طوفان إسلامي يجتاحهم كما صنع المسلمون في العصور الزاهرة التي يسميها العلمانيون الكافرون بالعصور المظلمة. وكفى بالإسلام والمسلمين سماحة أن سمحوا لأهل الكتاب والمجوس أن يقيموا بينهم بكفرهم يؤدون شعائرهم آمنين على أنفسهم وأموالهم في ديار الإسلام بموجب عقد الذمة، وتدرك فرط هذه السماحة إذا علمت ماصنعه الصليبيون في حروبهم مع المسلمين بساحل الشام وفي الأندلس قديما، وفي صبرا وشاتيلا بلبنان وفي البوسنة والهرسك حديثا وانقل لك شهادة الصليبيين أنفسهم في ذلك، قال أحدهم - جيبون - [إن الصليبيين خُدام الرب يوم استولوا على بيت المقدس في 15/ 7/ 1099 م رأوا أن يكرموا الرب بذبح سبعين ألف مسلم، ولم يرحموا الشيوخ ولا الأطفال ولا النساء، في مذبحة استمرت ثلاثة أيام بلياليها، ولم تنته إلا لما أعياهم الاجهاد من القتل فقد حطموا رؤوس الصبيان على الجدران وألقوا بالأطفال الرضع من سطوح المنازل، وشووا الرجال والنساء بالنار، وبقروا البطون ليروا هل ابتلع أهلها الذهب، ... ثم يقول: كيف ساغ لهؤلاء بعد هذا كله أن يضرعوا إلى الله طالبين البركة والغفران] [2] . ومثال آخر، مافعله الصليبيون في الأندلس عندما تغلبوا على المسلمين، فقد قال أحد كتاب الغرب أنفسهم وهو المدعو (جوستاف لوبون) قال: [لما أُجْلِيَ العرب سنة (1610م) اتخذت جميع الذرائع للفتك بهم فقتل أكثرهم، وكان مجموع من قتل إلى ميعاد الجلاء ثلاثة ملايين من الناس في حين أن العرب لما فتحوا أسبانيا، تركوا السكان يتمتعون بحريتهم الدينية محتفظين بمعاهدهم ورئاساتهم غير مكلفين إلا بدفع الجزية وهي بمقدار ماكانوا يبذلونه لملوك القوط، وقد بلغ من تسامح العرب طول حكمهم في أسبانيا مبلغًا قلما يصادف الناس مثله هذه الأيام] [3] . هذا في الماضي، أما في الحاضر فالأمثلة كثيرة يكفي منها مذبحة صبرا وشاتيلا عام 1982م، إذ حاصر اليهود هذين المعسكرين للفلسطينيين وسمحوا لنصارى حزب الكتائب اللبناني بتدبير المذبحة، فاغتصبوا النساء ثم قتلوا الجميع من

(1) (اقتضاء الصراط المستقيم) ص 177، ط المدني

(2) نقلا عن (العلاقات الدولية في الإسلام) لكامل سلامة الدقس، ص 333

(3) من كتاب (حضارة العرب) لجوستاف لوبون ص 279 ترجمة عادل زعيتر. وهذان المثالان نقلتهما من كتاب (الموالاة والمعاداة) لمحماس الجعلود، 2/ 597 - 598

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت