فهرس الكتاب

الصفحة 1217 من 1285

(أحكام أهل الذمة) لابن القيم، ص 14 - 16.

ومن القول بأنها غير ملزمة ماقال أحد المؤلفين [وأيا ماكان القول في صحة نسبة الشروط المصطلح على تسميتها «بالمستحبة» إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنها على أي حال ليست بملزمة للمسلمين، لانجد على إلزامها دليلا من الكتاب أو دليلا من السنة، وإن كنا لانجد فيهما كذلك دليلا على منع أو تحريم] [1] ، وأقول: أرأيتم مثل هذه الجرأة على الفتوى؟.

أما عن صحة نسبة هذه الشروط إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فهي متواترة يشهد بها المسلمون والكفار جميعا جيلا بعد جيل، ولايخلو منها كتاب من كتب الفقه، وجري عليها العمل في ديار الإسلام مدة اثنى عشر قرنا من الزمان. وقد ذكر ابن تيمية - فيما نقلته عنه من قبل - أنها مروية بإسناد صحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك بكتابيه (الصارم المسلول) ص 208، و (اقتضاء الصراط المستقيم) ص 120 - 121.

أما من جهة الإلزام: فهي ملزمة لجميع المسلمين يجب عليهم العمل بها في مختلف العصور، ويرجع وجوبها إلى سببين:

الأول: أنها سنة خليفة راشد يجب العمل بها لقوله عليه الصلاة والسلام (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين) [2] .

والثاني: إجماع الصحابة على العمل بهذه الشروط في حياة عمر ومن بعده، إذ لم يخالفه في ذلك أحد، وإجماعهم حجة ملزمة لجميع المسلمين إلى يوم القيامة.

وقد ذكر ابن تيمية هذين السببين في قوله [في شروط عمر بن الخطاب رضي الله عنه التي شرطها على أهل الذمة لما قدم الشام، وشارطهم بمحضر من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم، وعليه العمل عند أئمة المسلمين لقول رسول الله عليه الصلاة والسلام: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» ، وقوله عليه الصلاة والسلام «اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر» ، لأن هذا صار إجماعا من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، الذين لايجتمعون على ضلالة على ما نقلوه وفهموه من كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام] [3] .

ومع القول بإلزام هذه الشروط ينبغي التنبيه على أن العمل بها مشروط بالقدرة والتمكين، أما مع العجز - كما في حالة ضعف المسلمين أو في حالة نشوء دولة إسلامية ضعيفة - فلا يجب على المسلمين إلزام أهل الكتاب بهذه الشروط، وفي نفس الوقت لايجوز وضع تشريع يخالف الشريعة بشأنهم كالقول باعتماد المواطنة كمبدأ ونحو ذلك لأن واضع هذه التشريعات يكون قد دخل في دائرة الكفر بتشريعه مايضاد أحكام الله. قال ابن القيم رحمه الله [ومن تأمل سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه في تأليفهم الناس على الإسلام بكل طريق تبيّن له حقيقة الأمر، وعلم أن كثيرًا من هذه الأحكام التي ذكرنا من الغيار وغيره تختلف باختلاف الزمان والمكان والعجز والقدرة والمصلحة والمفسدة، ولهذا لم يُغَيِّرهم النبي عليه الصلاة والسلام ولا أبوبكر رضي الله عنه، وغَيَّرهم عمر رضي الله عنه] [4] . وفي هذا أيضا قال ابن تيمية رحمه الله [وسبب ذلك أن المخالفة لهم لاتكون إلا بعد ظهور الدين وعُلُوِّه، كالجهاد وإلزامهم بالجزية والصَغار، فلما كان

(1) من كتاب (فقه الجاهلية المعاصرة) لعبدالجواد ياسين، ص 99.

(2) الحديث رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح

(3) (مجموع الفتاوى) 28/ 651

(4) (أحكام أهل الذمة) 2/ 770، وبمعناه في 2/ 756، وفي 1/ 395

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت