وهذا الفن مستورد من بلاد الكفر، وقد دخل البلاد الإسلامية في آخر القرن التاسع عشر الميلادي وأول القرن العشرين على أيدي بعض الفرق المسرحية من نصارى لبنان ومن اليهود، وظلوا هم أساتذته فترة حتى تخرجت على أيديهم أجيال من أبناء المسلمين.
وإذا كانت هناك فائدة في هذه الفنون كتقديم عروض للأحداث التاريخية أو تقديم بعض القصص المليئة بالعبر، فقد كان المسلمون يستعيضون عن ذلك بالقصص، وعُرِفَت على مر تاريخ المسلمين طائفة القصاص والمذكرين الذين كانوا يروون القصص الحقيقية لا المكذوبة على الناس لتذكيرهم ووعظهم، وكانت لهؤلاء القصاص أوقات معلومة في المساجد يجتمع إليهم الناس فيها. بل كان القُصَّاص والمذكرون يصحبون المسلمين في المعارك والغزوات يعظونهم ويذكرونهم ويثبتونهم، وذكر ابن كثير رحمه الله في كتابه (البداية والنهاية) أن القاصّ في موقعة اليرموك (13 هـ) كان أبا سفيان بن حرب عيّنه خالد بن الوليد رضي الله عنهما لهذا الغرض، هذا ماجرى عليه العمل عند المسلمين.
وأما التليفزيون: فقد اجتمعت فيه عدة محرمات ومفاسد:
• منها الاستماع إلى المحرمات كالموسيقى والغناء المحرم.
• ومنها النظر إلى الحرام كالنساء المتبرجات والاختلاط المحرم وغير ذلك.
• ومنها أن القائمين على تنفيذ السياسة الإعلامية في شتى البلدان اليوم وهم من العلمانيين وأكابر المجرمين المحاربين لله ورسوله عليه الصلاة والسلام، يستخدمون هذا الجهاز لإفساد المسلمين وغرس القيم الدنيوية فيهم وتعليمهم وسائل الفجور. ولو لم يكن فيه إلا أنه يسرق أعمار الناس بتضييع الأوقات في مشاهدته لكفى بهذه مفسدة.
وقد تكون فيه برامج مباحة إلا أن الغالب عليه الحرام، ومقتضى انكار المنكر وسد الذرائع ألا يدخله الرجل المسلم بيته إن كان حريصا على دين أبنائه ونسائه، وذلك لصعوبة التحكم في تمييز الحلال من الحرام فيما يُعرض فيه، والشيء إذا غلب حرامه حلاله فالحكم للغالب، كما قال تعالى في تحريم الخمر والميسر (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا) البقرة: 219، وهكذا التليفزيون مفاسده أعظم من منافعه بكثير.
ومن ناحية الاتجار في هذه الأجهزة كالتليفزيون والراديو والمسجلات - بالبيع والشراء والإصلاح - فإن الشبهة فيها قوية، لأن الغالب على الناس الآن استخدامها في المنكرات من السّماع المحرم والنظر المحرم، وتحرم الإعانة على ذلك لقوله تعالى (وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) المائدة: 2، وقد قال رسول الله عليه الصلاة والسلام (دع ما يَريبك إلى مالا يَريبك) [1] ، وقال عليه الصلاة والسلام (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام) [2] . والوسيلة وإن كانت في أصلها مباحة إلا أنها تصير محرمة إذا قصد بها الحرام، فللوسائل حكم المقاصد، ولهذا يحرم بيع العنب لمن يعصره خمرًا، ويحرم بيع السلاح في الفتنة ويحرم بيعه لأهل الحرب. والغالب أن الناس اليوم يستخدمون هذه الأجهزة في الحرام، فتحرم إعانتهم على ذلك، وإن كان الخَطْب في أجهزة الراديو والتسجيل أهون منه في التليفزيون والفيديو، خاصة إذا بيعت لمن يعلم منه أنه لا يستخدمها في المنكرات. هذا والله تعالى أعلم.
ونحن إذا قلنا إن استعمال المعازف والاستماع إليها كبيرة من الكبائر للوعيد الوارد في ذلك، فإن هنا أمرًا ينبغي أن يتفطن إليه، وهو أنه كبيرة في حق مستعملها والمستمع إليها ولكنه كفر أكبر في حق من يشرع إباحتها، لأن هذا التشريع هو من باب استحلال المعاصي، ويدخل في هذا الحكومات التي تسمح بذلك في إذاعاتها ووسائل إعلامها
(1) حديث حسن
(2) الحديث متفق عليه