النسبة إليه بشهادة أهل الخبرة أو بشهرة الكتاب إلى صاحبه أو بسند الكتاب المثبت فيه أو غير ذلك مما يؤكد نسبة الكتاب إلى صاحبه، فإذا ثبت عنده هذا فله أن يروي منه مايشاء على سبيل الحكاية لا على سبيل السماع.
وقد ثبت عن بعض السلف روايتهم عن الصحف والكتب، ومع هذا فقد كانت الرواية وجادةً في العصور المتقدمة نادرة وقليلة لأن جمهور أهل العلم كانوا يفضلون الرواية مشافهة بالسماع أو العرض، بل إن كثيرا من السلف عاب على من يروي من الصحف، وانتشرت بينهم عبارة (لا تقرؤوا القرآن على المصحفيِّين، ولا تحملوا العلم عن الصحفيين) حتى إن بعضهم كان يضعف مايروى من الكتب - إلى أن قال -
ولايجوز للراوي بالوجادة أن يعزو مايرويه إلى صاحب الكتاب إذا شك في نسبته إليه إلا بما يدل على شكه، كأن يقول: بلغني عن فلان، أو (وجدت في كتاب ظننت أنه كتاب فلان) .
كل هذا فيما يتعلق بالرواية وجادة وأما ما يتعلق بالعمل فالصحيح الذي عليه المحققون من أهل العلم أنه يجب العمل بما يجده متى صح إسناده.
والوجادة الموثوق بها التي يطمئن إليها أهل العلم، بالتحقيق من نسبة الموجود إلى صاحبه بمختلف الطرق العلمية - لاتقل في قيمتها عن التحمل بالإجازة، لأن الإجازة على حقيقتها وجادة معها إذن من الشيخ بالرواية فحين يروي المرء بالوجادة بشرطها، ويبين أن مايرويه إنما هو قول فلان في كتاب كذا وكذا، فإنه ينقل الخبر بكل أمانة، وكل مافي الأمر عدم اتصال الإسناد بين الناقل والشيخ ومع هذا ففي نقله شبه اتصال السند بينهما.
وليس لأحد أن يشك في قيمة التحمل عن طريق الوجادة الموثوق بها، ولا في صحة هذا التحمل حين يؤديه مَن نثق به، لأن جميع ما ننقله اليوم من الأحاديث النبوية الشريفة من الكتب الصحيحة، وجميع ماينقله أهل العلوم المختلفة من مؤلفاتها إنما هو ضرب من الوجادة ولو توقف العمل فيها على السماع والرواية لانسد باب العمل بالمنقول لتعذر شرط الرواية كما قال ابن الصلاح] [1] .
فهذا كلام العلماء فيما يتعلق بمشروعية الرواية بالوجادة والعمل بها أي التعلم من الكتب ونذكر فيما يلي مايلزم المتعلم من الكتب من إرشادات.
سادسا - إرشادات هامة لمن يتعلّم من الكتب:
(تمهيد) إذا كُنت قد ذكرتُ (التعلم بمطالعة الكتب) في كيف يطلب العامى العلم؟، فإننى أعنى هنا العامى الذي لديه نوع أهلية لمطالعة الكتب وفهم مافيها، وفهم الدليل الشرعي ومايدل عليه من فوائد. وهذه الأهلية متحققة بحمد الله تعالى في كثير من الشبان المتدينين الآن، وهذا النوع - وهو العامي الذي له نوع أهلية - ذكره ابن القيم في قوله: مسألة [إذا كان عند الرجل الصحيحان أو أحدهما أو كتاب من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم موثوق بما فيه، فهل له أن يفتى بما يجده فيه؟] عرض ابن القيم الأقوال في هذه المسألة ثم قال [وهذا كله إذا كان ثَمَّ نوع أهلية ولكنه قاصر في معرفة الفروع وقواعد الأصوليِّين والعربية، وإذا لم تكن ثمَّة أهلية قط ففرضه ماقال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) النحل: 43] [2] . وستأتى هذه المسألة بالتفصيل إن شاء الله في باب أحكام المفتى، وإنما أوردنا هنا منها مايفيد تقسيم ابن القيم العامى إلى نوعين: نوع له ثمّة أهلية للنظر في الكتب ونوع ليست له أهلية البتة.
(1) (أصول الحديث) للدكتور محمد عجاج الخطيب، ط دار الفكر 1401 هـ، ص 244 - 247
(2) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 234 - 235