فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 1285

بعد هذا التمهيد نذكر المقصود من هذه المسألة، وهي إرشادات هامة لمن يتعلم من الكتب، فنقول:

1 -لا يلجأ المسلم إلى التعلم من الكتب إلا إذا انسدّ أمامه باب التلقى مشافهة من العلماء، فهذا هو الأصل في التعلم كما ذكرنا أدلته في الطريق الأول للتعلم. والحق أن الواقع المعاصر يضطر المسلم في أحيان كثيرة إلى التعلم من الكتب لتعذر التلقى عن العلماء لأسباب منها:

-أن أغلب العلماء اليوم إنما يتعلمون بالوجادة (أي من الكتب) أيضا، فأسانيد تحمّل كتب السلف منقطعة اليوم في الأغلب الأعم، ومن كان له إسناد متصل يروى به كتابا من كتب السلف ككتب السنة الأصلية فإن هذا الإسناد المتصل عادة لاتكون له قيمة كبيرة لجهالة حال كثير من رجال السند المتأخرين بما يجعله في حكم المنقطع، وذلك نظرًا لتوقف تدوين الجرح والتعديل منذ زمن، وذلك بسبب اكتفاء العلماء بشهرة نسبة الكتب الهامة إلى أصحابها بما يغنى عن تحملها بالإسناد المتصل. فانحصرت أهمية العالم المُعَلِّم اليوم في الإرشاد إلى الكتب الجيدة وفهم المكتوب فيها.

-ومنها قَصْر تعليم العلم اليوم على طلاب المعاهد الشرعية، فيتعذر على غير طلابها تلقي العلم من علمائها الذين لم يعودوا يجلسون في المساجد كما كان السلف، فإذا رغب مسلم من غير طلاب هذه المعاهد في التعلم فليس أمامه - عادة إلا الكتب.

-ومنها أن مايدرس في بعض المعاهد وبعض البلدان من الكتب والمناهج قد لايكون هو الاختيار الأمثل، كمناهج الاعتقاد، فإن غالب مايدرس في معظم المعاهد في شتى البلدان هو اعتقاد الأشاعرة بما يشتمل عليه من التأويل في الصفات والإرجاء في الإيمان، فمن أراد تعلم الصواب (وهو اعتقاد أهل السنة) من طلاب هذه المعاهد وغيرهم فليس أمامه إلا الكتب.

-ومنها ندرة العلماء الأمناء الذين يوثق بعلمهم وفهمهم، هذا فضلا عن ندرة العلماء الذين يتكلمون في النوازل خاصة مايتعلق منها بالسياسة والسلطان، لأسباب معروفة.

-ومنها أن العلماء الأمناء كثيرًا مايوجدون في بلد ٍ دون بلد ٍ، مع تعذر الرحلة إليهم على كثير من المسلمين، حتى لايجد هؤلاء أمامهم إلا التعلم من الكتب.

ومع ذلك، فقد ذكرت آنفا أن من الوسائل المستحدثة التي تقوم مقام التلقي مشافهة عن العلماء جزئيا: الأشرطة المسجلة لدروس العلماء وشروحهم لبعض كتب العلم الهامة، وإنما قلت: جزئيًا، لأن هذه الوسيلة لاتسمح بالمراجعة والاستفسار.

2 -فإذا لجأ المسلم إلى التعلم من الكتب، فأهم مايُنصح به هو حسن اختيار الكتاب في كل صنف من صنوف العلم. فقد تكون نجاته في حسن الاختيار، وقد يكون هلاكه في سوء الاختيار، وسوف نذكر أهمية إحسان اختيار الكتاب في الباب التالي (الرابع) إن شاء الله، كما سنذكر في الباب السابع الكتب المختلفة التي ننصح بقراءتها في كل صنف من صنوف العلم.

3 -فإذا أحسن طالب العلم اختيار الكتاب في علم من العلوم، فإنه عادة مايلزمه إرشاد الذين سبقوه في تعلم هذا العلم من العلماء ومن طلاب العلم المتقدمين، لفهم مصطلحات العلم الذي يدرسه وفهم موضوعاته. ولهذا قال الشاطبي [وهو معنى قول من قال «كان العلم في صدور الرجال، ثم انتقل إلي الكتب، وصارت مفاتحه بأيدي الرجال» والكتب وحدها لاتفيد الطالب منها شيئا دون فتح العلماء] [1] . وللتغلُّب - جزئيا - على هذه العقبة أنصح من لم يجد

(1) (الموافقات) ج 1 ص 97

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت