فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 1285

من يُعَرِّفُه معاني ما بالكتب بنصيحتين:

إحداهما: ألا يبدأ دراسته لعلم من العلوم بدراسة متن أو مختصر موجز، وإنما يبدأ بكتاب متوسط، عند انعدام العالم المرشد. وذلك لأن المتون والمختصرات وضعت ليشرحها الشراح المعلِّمون، فإذا عُدِم هؤلاء فيلجأ إلى الشروح المتوسطة مباشرة. وإنما نصحنا هنا بالشروح المتوسطة لا المبسوطة المطوَّلة، لأن المتوسطة عادة ماتقتصر على ذكر أمهات مسائل الفَنِّ وأقوى الأقوال فيها فيسهل على المتبديء استيعابها، أما الشروح المطوّلة فتذكر المسائل الجلية والنادرة وتذكر الراجح والمرجوح من الأقوال وقد يخفى على المبتديء تمييز الجلي من النادر، والراجح من المرجوح فيشوَّش عقله ويعسر عليه الفهم والاستيعاب بما قد يجعله ينقطع عن متابعة الدراسة.

والنصيحة الثانية: أن يقرأ في أكثر من مصدر في نفس المادة في وقت واحد إذا انغلق عليه الفهم من المصدر الأول. فأحيانا تقرأ كتابا في مادة وتتوقف عند مصطلح لاتفهمه، فإذا راجعت كتابا آخر في نفس المادة فقد تجد شرح هذا المصطلح الغامض إما في صلب الكتاب أو في هامشه. وربما أرشدك في هامشه لمرجع ثالث يفيدك أكثر. وهذا الكلام يشبه جمع روايات الحديث الواحد، فقد تَرِدُ في إحدى روايات الحديث كلمة غريبة، أو رجل مبهم، أو مكان مبهم ويتبيّن المراد من كل هذا بمراجعة الروايات الأخرى لنفس الحديث.

وخلاصة ماسبق من إرشادات أن المتعلم من الكتب يُنصح بأمرين: حسن اختيار الكتاب، والبحث عمن يُفَهِّمه مصطلحات الكتاب ومعانيه. وقد جمع الشاطبي رحمه الله هاتين النصيحتين في كلامه عن الطريق الثاني للتعلم. فقال[ «الطريق الثاني» مطالعة كتب المُصَنِّفين، ومدوِّني الدواوين. وهو أيضا نافع في بابه بشرطين:

«الأول» أن يحصل له من فهم مقاصد ذلك العلم المطلوب، ومعرفة اصطلاحات أهله، مايتم له به النظر في الكتب. وذلك يحصل بالطريق الأول من مشافهة العلماء أو مما هو راجع إليه، وهو معنى قول من قال «كان العلم في صدور الرجال، ثم انتقل إلى الكتب، وصارت مفاتحه بأيدي الرجال» . والكتب وحدها لاتفيد الطالب منها شيئا، دون فتح العلماء، وهو مُشَاهدٌ معتاد.

«والشرط الثاني» أن يتحرى كتب المتقدمين من أهل العلم المراد، فإنهم أقعد به من غيرهم من المتأخرين، وأصل ذلك التجربة والخبر: أما التجربة فهو أمر مشاهد في أي علم كان، فالمتأخر لايبلغ من الرسوخ في علم ٍ ما مابلغه المتقدم - إلى أن قال - وأما الخبر ففي الحديث «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» ، وفي هذا إشارة إلى أن كل قرن مع مابعده كذلك. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أول دينكم نبوة ورحمة ثم مُلك ورحمة، ثم مُلك وجبرية، ثم مُلك عضوض» ، ولايكون هذا إلا مع قلة الخير وتكاثر الشر شيئا بعد شيء. - إلى أن قال - فلذلك صارت كتب المتقدمين وكلامهم وسيَرهم أنفع لمن أراد الأخذ بالاحتياط في العلم، على أي نوع ٍ كان، وخصوصا علم الشريعة] [1] .

وبهذا نختم الكلام في هذه المسألة وهي (كيف يطلب العامي العلم؟) . ثم ننتقل إلى المسألة الثالثة في هذا الفصل.

(1) (الموافقات) ج 1 ص 97 - 99

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت