فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 1285

فالخلاصة: أن النية واقعة بين العلم والعمل.

وفي بيان هذا قال أبو حامد الغزالي رحمه الله[اعلم أن النيّة والإرادة والقصد عبارات متواردة على معنى واحد، وهو حالة ٌُ وصفة ٌُ للقلب يكتنفها أمران: علم، وعمل.

العلم: يَقْدُمه لأنه أصله وشرطه.

والعمل: يتبعه لأنه ثمرته وفرعه، وذلك لأن كل عمل أعني كل حركة وسكون اختياري فإنه لا يتم إلا بثلاثة أمور: علم وإرادة وقدرة. لأنه لا يريد الإنسان ما لا يعلمه فلابد وأن يعلم، ولا يعمل مالم يُرِدْ فلابد من إرادة.

ومعنى الإرادة انبعاث القلب إلى مايراه موافقًا للغرض إما في الحال أو في المآل، فقد خلق الإنسان بحيث يوافقه بعض الأمور ويلائم غرضه، ويخالفه بعض الأمور، فيحتاج إلى جلب الملائم الموافق إلى نفسه ودفع الضارّ المنافي عن نفسه، فافتقر بالضرورة إلى معرفة وإدراك للشيء المضر والنافع حتى يجلب هذا ويهرب من هذا - إلى أن قال - فإذا انبعثت الإرادة انتهضت القدرة لتحريك الأعضاء فالقدرة خادمة للإرادة، والإرادة تابعة لحكم الاعتقاد والمعرفة. فالنيّة عبارة عن الصفة المتوسطة وهى الإرادة وانبعاث النفس بحكم الرغبة والميل إلى ماهو موافق للغرض إما في الحال وإما في المآل. فالمحرّك الأوّل هو الغرض المطلوب وهو الباعث، والغرض الباعث هو المقصد المنوي، والانبعاث هو القصد والنية، وانتهاض القدرة لخدمة الإرادة بتحريك الأعضاء هو العمل.] [1] .

ثالثا - محل النية:

النيّة عمل من أعمال القلب، فمحلها القلب باتفاق العلماء [2] . والأدلة على هذا كثيرة منها:

قوله تعالى (وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) البقرة: 225.

وقوله تعالى (فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ) الفتح: 18.

وقوله تعالى (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ) البقرة: 235.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله لاينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) [3] . قال أبو حامد الغزالي رحمه الله [وإنما نظر إلى القلوب لأنها مظنة النيّة] [4] .

فإذا كانت النيّة محلها القلب فإنه يترتب على هذا مسألتان:

الأولى: أنه لا يجب التلفظ بها عند الشروع في العمل، بل التلفظ بها بدعة، إذ لم يُؤْثَر في ذلك أثرٌُ عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة رضي الله عنهم [5] ، فالنيّة عمل القلب لا اللسان.

الثانية: هل يؤاخذ العبد بالنيّة المجرّدة من العمل فيثاب عليها أو يُعاقب؟

وهذه المسألة فيها تفصيل يرفع الإشكال الوارد فيها بسبب الأدلة المتعارضة في الظاهر. فقد قال الله تعالى (وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) البقرة: 225. فمقتضى النص المؤاخذة بأعمال القلب، والنيّة منها باتفاق. والجواب أن

(1) (إحياء علوم الدين) ج 4 ص 384 - 385

(2) انظر (مجموع فتاوي ابن تيمية، 18/ 263)

(3) رواه مسلم

(4) (إحياء علوم الدين) ج 4 ص 382

(5) انظر (مجموع فتاوي ابن تيمية، 18/ 263)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت