أعمال القلب قسمان:
أ - أعمال قلبية محضة: ككفر الاعتقاد عند المنافق المظِهر للإسلام، وكالحسد فهذه الأعمال يؤاخذ بها العبد إجماعًا.
ب - أعمال محلها القلب وتتعدى إلى الجوارح: ومنها النية وهى قصد القلب، وهذه لايؤاخذ العبدُ بها إلا إذا بلغت مرتبة العزم، وإذا بلغت هذه المرتبة فلابد أن يظهر أثرها على الجوارح. وبيان هذا أن مايقع بالنفس من القصد والإرادة ينقسم إلى مراتب بحسب قوته، وهى:
• أضعفها: الخاطر: وهو مايخطر بالبال ويذهب في الحال وهو من الوسوسة.
• وفوقه: التردد (أو حديث النفس) : وهو أن يخطر الأمر بالبال فتنفِر منه النفس ثم يعاودها فتنفر، وهكذا فلا يستقر.
• وفوقه: الهَمّ: وهو أن تميل النفس ُ إلى الأمر ولاتنفر منه ولكن لايُصمم على فعله، فالهمّ فيه ترجيح لقصد الفعل على تركه مع عدم العزم عليه.
• وفوقه - وهو أعلاها - العَزْم: وهو منتهى الهَمِّ، وهو أن تميل النفس إلى الأمر ولاتنفر منه بل يصمم على فعله تصميما جازمًا. وهذا العزم سّماه عبدالله بن المبارك رحمه الله: الإصرار، وسّماه أحمد بن حنبل رحمه الله: هَمّ إصرار (وتُسمى المرتبة التي قبله في هذه الحالة: هَمّ خطرات) ، وسّماه ابن تيمية رحمه الله: الإرادة الجازمة أو الإرادة التامة.
وذكر ابن تيمية رحمه الله أن الإرادة الجازمة إذا وُجِدت معها القدرة وقع المقدور، وإذا وُجدت الإرادة الجازمة فلا يمنع وقوع المقدور إلا العجز، وهنا ذكر ابن تيمية فائدة أخرى: وهى أن الإرادة الجازمة لابد أن تظهر على الجوارح في لفظ أو إشارة أو حركة تعبر عن الإرادة، وإن عجز العبد عن فعل المُراد الأصلي.
ويجمع ماسبق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله تجاوز لأمتي عَمّا وَسْوست - أو حدَّثت - به أنفسها، مالم تعمل به أو تكلَّم) [1] . فهذا الحديث جمع مراتب النية ومايؤاخذ به العبد منها وما لايؤاخذ به:
فكل ماهو دون العزم (الإرادة الجازمة) - من الخاطر وحديث النفس وهَمّ الخطرات - معفو عنه غير مؤاخذ به.
أما العزم (الإرادة الجازمة) فمؤاخذ به، ولابد أن يظهر على الجوارح في حركة أو لفظ وهذا هو السِّر في قوله صلى الله عليه وسلم (مالم تعمل به أو تكلّم) . فكل عمل أو كلام يُعبِّر عن الإرادة الجازمة - وإن لم يكن هو العمل المقصود نفسه بتمامه - يجعل العبد في محل المؤاخذة إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشرٌُ، إذ لم يمنعه عن العمل الأصلي إلا العجز.
ومما يدل على أن العبد يُجازى على الإرادة الجازمة إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، قوله صلى الله عليه وسلم (إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد ٍ رزقه الله مالًا وعلمًا فهو يتقي ربه فيه ويصل به رحمه، ويعلم لله فيه حقًا فهذا بأفضل المنازلِ، وعبد ٍ رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالًا فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالًا لعملتُ فيه بعمل فلان فهو بنيّته فأجرهما سواء، وعبد ٍ رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا يخبط في ماله بغير علم، لايتقي فيه ربه ولايصل فيه رحمه، ولايعلم لله فيه حقًا، فهو بأخبث المنازل، وعبد ٍ لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته فوزرهما سواء) [2] .
وفي هذا الحديث نصَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن الرجلين الثاني والرابع استحقا الثواب والإثم - على الترتيب - بمجرد النيّة (فهو بنيّته .... ) ، والمقصود بها الإرادة الجازمة التي ظهرت من كلا الرجلين في كلام تكلماه، وهو قول كل منهما (لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان) ، فاستحقا الجزاء كاملا وإن لم يعملا العمل المراد بتمامه.
وهذا الكلام يُقال أيضا في قوله صلى الله عليه وسلم (من سأل الله الشهادة بصدق بلَّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على
(1) متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه، واللفظ للبخاري (حديث 6664)
(2) رواه الترمذي - واللفظ له - وابن ماجة عن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه، وصححه الترمذي