فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 1285

فراشه) [1] . فهذا نال الثواب (بلوغ منازل الشهداء) وإن لم يقع منه العمل المراد (الشهادة) بنيّته (إرادته الجازمة) التي ظهرت في لفظ (سأل الله الشهادة بصدق) .

وهذا يُقال أيضا في الحديث المتفق عليه عن أبي بكرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار) ، فقلت: يارسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟، قال (إنه كان حريصا على قتل صاحبه) . ففي هذا الحديث استحق المقتول الوزر بإرادته الجازمة على قتل صاحبه، تلك الإرادة التي ظهرت في فعل - وهو المقاتلة - وإن لم يفعل المراد بتمامه وهو قتل صاحبه. ولايخفى أن الوعيد في هذا الحديث هو في حق من قاتل قتالا غير مشروع، أما مَنْ قاتل قتالا مشروعا كمن قاتل البغاة أو الخوارج أو الصائل فلا يدخل في هذا الوعيد بل هو مثاب مأجور. كما أن الوعيد في هذا الحديث معلّق على المشيئة كما قال تعالى (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) النساء: 48، حسب القواعد المقررة في مذهب أهل السنة في أصحاب الكبائر.

وقِسْ على هذا جميع النصوص التي رتبت الجزاء على النيّة المجردة من العمل المراد الأصلي، فلابد من ظهور النيّة (الإرادة الجازمة) في قول أو حركة ليترتّب الجزاء. ومادون ذلك من مراتب القصد (كالخاطر وحديث النفس) فلا يؤاخذ به العبد [2] .

رابعا - الغرض الذي شُرعت لأجله النية مع بيان أقسامها:

اعلم أن الغرض الذي شرعت لأجله النيّة هو التمييز. أي تمييز الأمور بعضها من بعض.

وتنقسم النيّة إلى قسمين أساسيين: نيّة تمييز عمل ٍ من عمل ٍ، ونيّة تمييز معمول ٍ له من معمول له.

القسم الأول: النيّة التي تميِّز عملًا من عمل:

وبها تتميّز الأعمال التي تتشابه صورها في الظاهر وتلتبس ببعضها، ومن هذا القسم:

أ - نية تمييز العبادة من العادة: كالغُسل الواجب من غُسل التّبرد.

ب - نية تمييز رُتَب العبادات: كتمييز الفرض من النفل، والزكاة الواجبة من صدقة التطوع.

ج - وهذه النيّة شرط في صحة جميع العبادات، لقوله صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكل امرىء مانوى) [3] .

د - نيّة إنشاء الوجوب: كنيّة التجارة في العروض المُقْتَنية توجب الزكاة فيها.

هـ - نيّة تمييز العمد من الخطأ: كالقتل العمد من القتل الخطأ في بعض الصور.

و - نية تمييز الحلال من الحرام في الأفعال المحتملة: كتمييز نكاح الرغبة من نكاح التحليل من المطلقة ثلاثا بغير اتفاق على التحليل، فصورتا النكاحين واحدة وتفرق بينهما النيّة.

ز - نيّة تمييز الألفاظ المحتملة (ألفاظ الكنايات) في معظم الأحكام الفقهية المبنية على الألفاظ: كالطلاق والعتق

(1) رواه مسلم

(2) ومن أراد مزيد بيان في هذه المسألة يراجع المصادر التالية:

(مجموع فتاوي ابن تيمية) ج 10 ص 720 - 768 و ج 7 ص 132 - 138 و ص 340 - 341 و ص 525 - 527، وج 6 ص 574 - 575، و ج 14 ص 122 - 128. و (فتح الباري) لابن حجر، ج 11 ص 323 - 329، وص 552. و (الأشباه والنظائر الفقهية) للسيوطي، ط دار الكتب العلمية 1403هـ، ص 33 - 34. وللسيوطي رحمه الله كتاب (الأشباه والنظائر في النحو) ، وهو غير المقصود هنا

(3) متفق عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت