فحكمه إلى نواب الشعب في البرلمان أو إلى عموم الشعب في الاستفتاء. وكل نواب مجلس الشعب ملتزمون بهذا المبدأ الكفري ولو أظهروا أدنى معارضة له لتم فصلهم من المجلس بموجب لائحته، ومن أظهر لنا الكفر أظهرنا له التكفير. ويكفر هذا الصنف أيضا لقوله تعالى (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ) النساء: 140، وهذه البرلمانات مؤسسة على الكفر بآيات الله إذ كانت وظيفتها الأولى التشريع من دونه سبحانه، فمن قعد معهم فهو مثلهم في الكفر فكيف بمن التزم بقوانينها؟. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) [1] ، فكيف بمن لم يتق الكفر كهؤلاء النواب، كيف يسلم لهم دينهم؟، وكيف يريدون أن يكف الناس عن أعراضهم وهم متلبسون بالكفر؟.
وهناك وظيفة كفرية أخرى لأعضاء البرلمانات يغفل عنها البعض، فليست وظيفتهم الوحيدة تولي سلطة التشريع من دون الله، بل تنص جميع الدساتير العلمانية المعاصرة على أن البرلمان هو الذي يقر السياسة العامة للدولة ويمارس الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية أي الحكومة، وأن الحكومة مسئولة أمام البرلمان. وهذا يعني أن جميع ماتمارسه الحكومات من الكفر - كالحكم بالقوانين الوضعية واتباع المنهج العلماني (اللاديني) في السياستين الخارجية والداخلية وفي التعليم والإعلام والاقتصاد وغيرها - كل هذا يُقره أعضاء البرلمانات ويجيزون الحكومات في العمل به بل ولهم حق محاسبة الحكومة إذا حادت عن هذا الكفر، ولاشك في كفر من أقر الكفر أو أجاز العمل به. وقال الشيخ ابن باز نفسه في شرح الناقض الرابع من نواقض الإسلام العشرة التي جمعها شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب، قال ابن باز [ويدخل في ذلك أيضا كل من اعتقد أنه يجوز الحكم بغير شريعة الله في المعاملات والحدود أو غيرهما، وإن لم يعتقد أن ذلك أفضل من حكم الشريعة، لأنه بذلك يكون قد استباح ماحرَّم الله إجماعا، وكل من استباح ماحرّم الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة كالزنا والخمر والربا والحكم بغير شريعة الله فهو كافر بإجماع المسلمين] [2] . وفي رسالته (نقد القومية العربية) وصف الشيخ ابن باز الحكم بالقوانين الوضعية بأنه [هذا هو الفساد العظيم والكفر المستبين والردّة السافرة] [3] .
فأعضاء البرلمانات مسئولون عن استمرار الحكومات في الحكم بالقوانين الوضعية، كما أنهم مسئولون عن تشريع مايستجد من هذه القوانين، وكلا الوظيفتين من الكفر الأكبر المستبين، (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) النور: 40. وهذا كله في بيان أسباب كفر أعضاء البرلمانات الراضي منهم والمعترض الذي يزعم أنه ما دخلها إلا للدعوة الإسلامية، وقد علمت أن هؤلاء المعترضين طُلب منهم عند بدء عملهم في البرلمان أن يؤدوا قَسَمَ البرلمان الذي ينص على الإقرار باحترام الدستور والقانون، فأدوا القَسَم وزادوا عليه (في غير معصية) ، وهذا لايخرجهم من الكفر بل هو مزيد كفر لأنه استخفاف بدين الله، فكلمة (في غير معصية) إنما تقال في بيعة ولاة أمور المسلمين على كتاب الله وسنة رسوله في غير معصية كما وردت الآثار بذلك، لاتقال في الإقرار بالشرك، فمن قال (في غير معصية) مع إقراره بالشرك - وهو الالتزام بالدستور والقانون الوضعيَّيْن - فهو مستهزيء بدين الله، كمن يقول أشهد أن المسيح ابن الله في غير معصية، سواء بسواء، هذا مايتعلق بنواب البرلمانات.
أما الذين ينتخبونهم من أفراد الشعب فيكفرون أيضا، لأنه بموجب الديمقراطية النيابية فإن الناخبين هم في الحقيقة إنما يوكلون النواب في ممارسة السيادة الشركية - التشريع من دون الله - نيابة عنهم، فالناخبون يمنحون النواب حق ممارسة
(1) متفق عليه
(2) (مجلة البحوث الإسلامية) الصادرة عن الرئاسة العامة للبحوث والدعوة والافتاء بالسعودية، العدد السابع، ص 17 - 18
(3) (نقد القومية العربية) ص 50