فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 1285

تركتم كتاب الله وراء ظهوركم، وإذا ساهمتم في إقامتها أو إبقائها فستكونون بذلك قد خنتم رسولكم الذي أرسله الله إليكم - إلى قوله - فحيث يوجد هذا النظام فإننا لانعتبر الإسلام موجودًا وحيث وجد الإسلام فلا مكان لهذا النظام] [1] . وبعد هذا الكلام بقي أن يعلم القاريء أن جماعة المودودي، وهى الجماعة الإسلامية بباكستان قد اتخذت الديمقراطية منهجًا وشاركت في الانتخابات البرلمانية في باكستان - وهى دولة علمانية - في حياة المودودي وبعد وفاته وإلى اليوم. قال تعالى (لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) الصف: 2 - 3، وقال تعالى (أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) البقرة: 44.

وإذا كان الشعب صاحب السيادة - في الديمقراطية - يمارس سيادته بواسطة نوابه في البرلمان. فإن كلا الفريقين واقع في الكفر: نواب البرلمانات ومن ينتخبونهم من الشعب لهذه المناصب.

أما نواب البرلمان فسبب كفرهم هو أنهم هم أصحاب السيادة الفعلية فهم المشرعون للناس من دون الله سواء بوضع القوانين أو بإجازتها والموافقة عليها، وتنص جميع الدساتير العلمانية المعاصرة على أنه (يتولى البرلمان سلطة التشريع) سواء كان البرلمان يسمى بمجلس الشعب أو الجمعية الوطنية أو الكونجرس أو الجمعية التشريعية أو غير ذلك، وهذا يجعل النواب شركاء مع الله في ربوبيته، لقوله تعالى (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ) الشورى: 21، والدين - في أحد معانيه - هو نظام حياة الناس حقًا كان أو باطلًا لقوله تعالى (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) الكافرون: 6، فسمّى الله سبحانه ماعليه الكفار من الكفر دينًا. فمن شرع للناس فقد جعل نفسه إلها لهم وشريكا مع الله، هذا دليل. ودليل آخر على كفر هؤلاء النواب هو أنهم بتشريعهم للناس من دون الله قد نصبوا أنفسهم أربابا لهم من دونه سبحانه، وهذا الكفر بعينه كما قال تعالى (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ) آل عمران: 64، وقد كانت هذه الربوبية المذكورة في الآية بالتشريع من دون الله كما هى في قوله تعالى (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ) التوبة: 31، وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه - وكان نصرانيا فأسلم - قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ سورة براءة حتى أتى على هذه الآية (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ) قال: فقلت: يارسول الله إنا لم نتخذهم أربابا، قال: (بلى، أليس يحلون لكم ماحرم عليكم فتحلونه، ويحرمون عليكم ماأحل لكم فتحرمونه؟) فقلت: بلى، قال (فتلك عبادتهم) [2] . قال الألوسي في تفسير هذه الآية [الأكثرون من المفسرين قالوا: ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا أنهم آلهة العالم، بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم] . وهذا كله يبين أن من شرّع للناس من دون الله، كأحبار اليهود ورهبان النصارى ونواب البرلمانات، فقد جعل نفسه ربًا لهم، وكفى به كفرًا مبينًا. ومَن كان مِن هؤلاء النواب راضيا بهذه الوظيفة الشركية للبرلمانات أو مشاركا فيها فهذا كفره ظاهر لاشك فيه، أما من يدعي من النواب أنه غير راض ٍ عن ذلك وأنه مادخل إلا للدعوة والإصلاح فهو كافر أيضا وقوله هذا ماهو إلا حيلة يخدع بها العوام والجهال وتقيّة يدرأ بها عن نفسه، أما سبب كفره فهو أن دخوله هذه البرلمانات إقرار منه بشرعية عملها - وهو التحاكم لآراء البشر - والتزام منه بمبادئها وبمباديء الدستور الذي قامت بموجبه، وهذا كله تحاكُم طَوْعي منه للطاغوت يكفر فاعله، فالله تعالى يقول (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) الشورى: 10، والديمقراطية تنص على أن: مااختلفتم فيه من شيء

(1) من كتاب (الإسلام والمدنية الحديثة) للمودودي، ترجمة خليل الحامدي

(2) رواه أحمد والترمذي وقال حديث حسن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت