فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 1285

الشخصية بدلا من التقيد بالأخلاق الدينية، وعلى دستور وضعي بدلا من قرارات الكنيسة] [1] .

وقد ظهرت نظرية سيادة الأمة وحقها في وضع قوانينها بوضوح في مباديء الثورة الفرنسية ودستورها، فنصت المادة السادسة من إعلان الحقوق سنة 1789 م على أن (القانون هو التعبير عن إدارة الأمة) ، أي ليس القانون تعبيرا عن إرادة الكنيسة أو إرادة الله، وفي إعلان حقوق الإنسان الصادر مع الدستور الفرنسي عام 1793م نصت المادة الخامسة والعشرين منه على أن [السيادة تتركز في الشعب] [2] . ولذلك يقول د. عبدالحميد متولي [تعد مباديء ثورة 1789م الفرنسية أساس مباديء الديمقراطية الغربية] [3] .

حكم الديمقراطية وحكم نواب البرلمانات وناخبيهم:

مناط الحكم على الديمقراطية هو كون السيادة فيها للشعب، بما تعنيه السيادة من كونها سلطة عليا لا تعترف بسلطة أعلى منها فهى تستمد سلطتها من ذاتها دون قيد ٍ من شيء، فتفعل ماتشاء وتشرّع ماتريد دون مراجعة أحد لها، وهذه هى صفة الله تعالى، كما قال تعالى (وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) الرعد: 41، وقال تعالى (إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ) المائدة: 1، وقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) الحج: 14. ونخلص من هذا إلى أن الديمقراطية تخلع صفة الألوهية على الإنسان بمنحها إياه الحق المطلق في التشريع، فجعلته بذلك إلها مع الله وشريكا له في حق التشريع للخلق، وهذا كفر أكبر لاريب فيه. وبتعبير أدق فإن الإله الجديد في الديمقراطية هو هَوَى الإنسان، فيشرع مايراه بهواه غير مقيد بشيء، قال تعالى (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا، أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) الفرقان: 43 - 44. وهذا يجعل من الديمقراطية دينا قائما بذاته السيادة فيه للشعب في مقابل دين الإسلام الذي السيادة فيه لله تعالى، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (السيد الله تبارك وتعالى) [4] .

وفي بيان ماتنطوي عليه الديمقراطية من تأليه للبشر، قال الأستاذ أبو الأعلى المودودي [قواعد المدنية الغربية: إن المدنية الحديثة التي يقوم في ظلها نظام الحياة الحالي بمختلف فروعه العقائدية والأخلاقية والاقتصادية والسياسية والثقافية ترتكز على دعائم ثلاث، هى المباديء الرئيسية الآتية: العلمانية، القومية، الديمقراطية. - إلى أن قال - أما المبدأ الثالث: الديمقراطية، أو تأليه الإنسان، فبانضمامه إلى المبدأين السابقين تكتمل الصورة التي تضم في إطارها محنة هذا العالم ومتاعبه، لقد قلت آنفا إن مفهوم الديمقراطية في المدنية الحديثة هو حاكمية الجماهير، أي أن يكون أفراد قطر من الأقطار أحرارًا فيما يتعلق بتحقيق مصالحهم الاجتماعية، وأن يكون قانون هذا القطر تابعا لأهوائهم - إلى قوله - وإذا تأملنا المباديء الثلاثة الآن فإننا نجد: أن العلمانية قد حررت الناس من عبادة الله وطاعته وخشيته ومن الضوابط الخلقية الثابتة وألقت حبلهم على غاربهم وجعلتهم عبيدًا لأنفسهم غير مسئولين أمام أحد. ثم تأتي القومية لتقدم لهم جرعات كبيرة من خمر الأنانية والكبرياء والاستعلاء وإحتقار الآخرين. وتأتي أخيرًا الديمقراطية وتجلس هذا الإنسان - بعد أن أُطلق له العنان وصار أسير أهواء النفس وأخيذ نشوة الأنانية - على عرش التأليه، فتخوّل له جميع سلطات التشريع والتقنين، وتسخر له الجهاز الحكومي بكافة إمكانياته في الحصول على كل شيء يطلبه. - ثم قال المودودي - وإني أقول للمسلمين بصراحة إن الديمقراطية القومية العلمانية تعارض ماتعتنقوه من دين وعقيدة، وإذا استسلمتم لها فكأنكم

(1) (العلمانية) د / سفر الحوالي، ص 169، ط جامعة أم القرى 1402هـ

(2) (نقلا عن مباديء القانون الدستوري) د / السيد صبري - ص 52

(3) (أنظمة الحكم في الدول النامية) له، ص 30

(4) رواه أبو داود في كتاب الأدب من سننه، وإسناده صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت