في ممارسة السلطة. جاء في موسوعة السياسة للدكتور عبدالوهاب الكيالي [تقوم كل الأنظمة الديمقراطية على أساس فكري واحد، وهو أن السلطة ترجع إلى الشعب وأنه هو صاحب السيادة، أي أن الديمقراطية في النهاية هى مبدأ السيادة الشعبية] [1] ، وقال في تعريف الديمقراطية النيابية [تعني أن الشعب - وهو صاحب السيادة - لايقوم بنفسه بممارسة السلطة التشريعية، وإنما يعهد بها إلى نواب عنه ينتخبهم لمدة معينة، وينيبهم عنه في ممارسة هذه السلطة باسمه. فالبرلمان في الديمقراطية النيابية هو الممثل للسيادة الشعبية وهو الذي يعبر عن إرادة الشعب من خلال مايصدره من تشريعات أو قوانين. وقد نشأ هذا النظام تاريخيا في انكلترا وفرنسا، ثم انتقل منهما إلى الدول الأخرى] [2] . ومما سبق يتضح أن الديمقراطية تتلخص في أنها سيادة الشعب، وأن السيادة تتلخص أساسا في الحق المطلق في التشريع الذي لايخضع لسلطة أخرى، وإليك بعض تعريفات السيادة: قال د. عبدالحميد متولي - أستاذ القانون الدستوري - [الديمقراطية يعبر عنها في الدساتير بمبدأ «سيادة الأمة» ، و «السيادة» طبقًا لتعريفها هى سلطة عليا لا يوجد أعلى منها] [3] . وقال جوزيف فرانكل - سياسي غربي - [تعني السيادة: السلطة العليا التي لاتعترف بسلطة أعلى منها أو من ورائها تملك صلاحية إعادة النظر في قراراتها. وهذا المعنى الأساسي لم يلحقه التغيرعلى طول العصور الحديثة، وتعريف جان بودان للسيادة في عام 1576م، والذي مضمونه «أن السيادة هى السلطة العليا من فوق المواطنين والرعايا والتي لايقيدها القانون» بقي صحيحًا رغم أن مفهوم السيادة التي خصّ بها بودان الأمير في عصره قد انتقلت فيما بعد إلى الأمة] [4] .
نشأة الديمقراطية المعاصرة
أما الديمقراطية فقد أرست دعائمها الثورة الفرنسية 1789م، وإن كان النظام النيابي البرلماني قد نشأ في انجلترا قبل ذلك بقرن كامل، ومن الناحية الفكرية فإن مبدأ سيادة الأمة - الذي هو أساس المذهب الديمقراطي - قد تبلور قبل الثورة الفرنسية بعدة عقود، وذلك في كتابات جون لوك ومونتسكيو وجان جاك روسو الذين أسسوا نظرية العقد الاجتماعي وهى أساس نظرية سيادة الأمة، وذلك كرد فعل وكمحاربة لنظرية التفويض الإلهي التي سادت أوروبا نحو عشرة قرون من الزمان، تلك النظرية التي كانت تقضي بأن الملوك يحكمون باختيار وتفويض من الله، فكان للملوك - بذلك - سلطان مطلق مدعومين في ذلك بتأييد البابوات، وقد عانت الشعوب الأوروبية من هذا الحكم المطلق أشد المعاناة، فكانت سيادة الأمة هى الخيار البديل أمامها للخروج من السلطان المطلق للملوك والبابوات الحاكمين بتفويض من الإله - بزعمهم - فالديمقراطية في أصل نشأتها هى تمرد على سلطان الله، لتعطي السلطان كل السلطان للإنسان ليصنع نظام حياته وقوانينه بنفسه دون أي قيود.
ولم يكن الانتقال من نظرية التفويض الإلهي إلى نظرية سيادة الأمة انتقالا سلميا وإنما عبر ثورة من أشد الثورات دموية في العالم، وهى الثورة الفرنسية عام 1789م، والتي كان من شعاراتها (اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس) ، ويقول د / سفر الحوالي [وتمخضت الثورة عن نتائج بالغة الأهمية، فقد ولدت لأول مرة في تاريخ أوربا المسيحية دولة جمهورية لا دينية تقوم فلسفتها على الحكم باسم الشعب «وليس باسم الله» ، وعلى حرية التدين بدلا من الكثلكة، وعلى الحرية
(1) (موسوعة السياسة) إعداد د. عبدالوهاب الكيالي، ج 2 ص 756
(2) (المرجع السابق) 2/ 757
(3) (أنظمة الحكم في الدول النامية) د. متولي، ط 1985، ص 625
(4) (العلاقات الدولية) لجوزيف فرانكل، مطبوعات تهامة 1984 م، ص 25