فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 1285

هى: في الحرب، وفي الإصلاح بين الناس، وبين الرجل وزوجه كما رواه مسلم عن أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها.

ب - أكل الميتة محرم ومن الكبائر، ولكنه يجوز للمضطر في مخمصة بنص كتاب الله تعالى لا بالنيّة، وقال تعالى (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) البقرة: 173. والدليل المبيح يقصر الرخصة على صورته ولايقاس عليه.

وقد ذكرت هذه الفائدة بسبب فتوى قرأتُها لأحد المشايخ المعاصرين وهو الشيخ عبدالعزيز بن باز يجيز فيها للمسلم الترشيح لعضوية البرلمانات التشريعية في الدول المحكومة بالقوانين الوضعية، بنيّة الدعوة إلى الله في هذه البرلمانات ونحو ذلك، واستدل بحديث «إنما الأعمال بالنيّات» . فقد جاء بمجلة (لواء الإسلام) مايلي [لاحَرَج في الالتحاق بمجلس الشعب) ردًا على سؤال حول شرعية الترشيح لمجلس الشعب، وحكم الإسلام في استخراج بطاقة انتخاب بنيّة انتخاب الدعاة والإخوة المتديّنين لدخول المجلس، أفتى فضيلة الشيخ عبدالعزيز بن باز بقوله (إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الأعمال بالنيّات وإنما لكل امريء ما نوى» لذا فلا حرج من الالتحاق بمجلس الشعب إذا كان المقصود من ذلك تأييد الحق وعدم الموافقة على الباطل لما في ذلك من نصر الحق والانضمام إلى الدعاة إلى الله. كما أنه لاحرج كذلك من استخراج البطاقة التي يستعان بها على انتخاب الدعاة الصالحين وتأييد الحق وأهله، والله ولي التوفيق] [1] .

قلت: هذه الفتوى خطأ، لما نقلناه عن الغزالي من أن المعاصي لاتباح بالنيّة، والكفر أكبر المعاصي، والالتحاق بمجلس الشعب كفر فلا يُباح بالنيّة. فمجلس الشعب هو وسيلة تطبيق النظام الديمقراطي، ومعرفة حكم المشاركة فيه بالعضوية أو الانتخاب مبني على معرفة حكم الديمقراطية، وحكمها مبني على معرفة حقيقتها. إذ الفتوى هى معرفة الواجب في الواقع. فنبدأ ببيان حقيقة الديمقراطية ثم بيان حكمها وحكم المشاركة في هذه المجالس فنقول وبالله تعالى التوفيق:

حقيقة الديمقراطية:

تمهيد: قال ابن تيمية رحمه الله [قال الفقهاء: الأسماء ثلاثة أنواع: نوع يُعرف حَدّه بالشرع كالصلاة والزكاة، ونوع يُعرف حدّه باللغة كالشمس والقمر، ونوع يعرف حده بالعرف، كلفظ القبض ولفظ المعروف في قوله (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) النساء: 19] [2] . ولما كان لفظ الديمقراطية لم يرد في الشرع ولا مما تعرفه العرب من لغتها، فلابد لمعرفة معناه وحقيقته من الرجوع إلى عُرف أهله الذين وضعوه، وفي هذا قال ابن القيم - في أحكام المفتي - [لايجوز له أن يفتي في الإقرار و الأيمان والوصايا وغيرها مما يتعلق باللفظ بما اعتاده هو من فهم تلك الألفاظ دون أن يعرف عرف أهلها والمتكلمين بها فيحملها على مااعتادوه وعرفوه وإن كان مخالفا لحقائقها الأصلية، فمتى لم يفعل ذلك ضَلَّ وأضَلّ] [3] . وهذا كله في بيان وجوب الرجوع إلى واضعي مصطلح الديمقراطية لمعرفة معناه، حتى لايقول أحد إنه يريد بها الشورى، أو إنه يريد بها الممارسة السياسية وغير ذلك من الأسماء التي تضيع معها الحقائق وبالتالي الأحكام.

حقيقة الديمقراطية: لما كانت الديمقراطية مصطلحًا سياسيا غربيًا فإنه - وبمقتضى التمهيد السابق - ينبغي الرجوع إلى أهله لمعرفة معناه الذي يترتب عليه معرفة حكمه. ومعنى الديمقراطية في عرف أهلها: هى سيادة الشعب، وأن السيادة سلطة عليا مطلقة غير محكومة بأي سلطة أخرى، وتتمثل هذه السلطة في حق الشعب في اختيار حكامه وحقه في تشريع مايشاء من القوانين، ويمارس الشعب هذه السلطة عادة بالإنابة بأن يختار نوابًا عنه يمثلونه في البرلمان وينوبون عنه

(1) (لواء الإسلام) عدد 11/ 1409هـ (ص 7 بالملحق)

(2) (مجموع الفتاوي) 13/ 82 وكرر هذا الكلام في مواضع منها: (مجموع الفتاوي) 7/ 286 و 19/ 235

(3) (اعلام الموقعين) 4/ 228

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت