الشارع أثيب. قال ابن حجر [والتحقيق أن الترك المجرد لاثواب فيه، وإنما يحصل الثواب بالكَفّ الذي هو فعل النفس، فمن لم تخطر المعصية بباله أصلا ليس كمن خطرت فكفّ نفسه عنها خوفًا من الله تعالى] [1] . واستُدِل على ثواب من كف نفسه عن المعاصي بقوله تعالى (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) الحجرات: 3.
4 -وتنقسم الأعمال من حيث مشروعيتها إلى طاعات ٍ ومعاص ٍ ومباحات. والنيّة تؤثر في الطاعات والمباحات ولا تؤثر في المعصية فلا تخرجها النية عن كونها معصية ولاتقلبها إلى طاعة، وإنما قد تزيد النيّة من إثم مرتكب المعصية.
قال أبو حامد الغزالي رحمه الله[اعلم أن الأعمال وإن انقسمت أقساما كثيرة من فعل وقول وحركة وسكون وجلب ودفع وفِكْر وذِكْر وغير ذلك مما لا يتصور إحصاؤه واستقصاؤه، فهى ثلاثة أقسام: معاص وطاعات ومباحات.
القسم الأول: المعاصي، وهى لاتتغير عن موضوعها بالنيّة، فلا ينبغي أن يفهم الجاهل ذلك من عموم قوله عليه السلام «إنما الأعمال بالنيّات» فيظن أن المعصية تنقلب طاعة بالنيّة، كالذي يغتاب إنسانا مراعاة لقلب غيره، أو يُطعم فقيرًا من مال غيره، أو يبني مدرسة أو مسجدًا أو رباطا بمال حرام، وقصده الخير .. فهذا كله جهل، والنية لاتؤثر في إخراجه عن كونه ظلما وعدوانا ومعصية. بل قصده الخير بالشر - على خلاف مقتضى الشرع - شر آخر، فإن عرفه فهو معاند للشرع، وإن جهله فهو عاص ٍ بجهله، إذ طلب العلم فريضة على كل مسلم، والخيرات إنما يُعرف كونها خيرات بالشرع، فكيف يمكن أن يكون الشر خيرًا؟ هيهات، بل المروِّج لذلك على القلب خفيّ الشهوة وباطن الهوى - إلى أن قال - والمقصود أن من قصد الخير بمعصية عن جهل فهو غير معذور، إلا إذا كان قريب العهد بالإسلام ولم يجد بعدُ مهلة للتعلم، وقد قال الله تعالى (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) الأنبياء: 7. - إلى أن قال - فإذن قوله عليه السلام: «إنما الأعمال بالنيّات» يختص من الأقسام الثلاثة بالطاعات والمباحات دون المعاصي، إذ الطاعة تنقلب معصية بالقصد، والمباح ينقلب معصية وطاعة بالقصد، فأما المعصية فلا تنقلب طاعة بالقصد أصلًا، نعم للنيّة دخل فيها وهو أنه إذا انضاف إليها قصود خبيثة تضاعف وزرها وعظم وبالها - كما ذكرنا ذلك في كتاب التوبة -.
القسم الثاني: الطاعات. وهى مرتبطة بالنيّات في أصل صحتها وفي تضاعف فضلها. أما الأصل، فهو أن ينوي بها عبادة الله تعالى لا غير، فإن نوى الرياء صارت معصية. وأما تضاعف الفضل: فبكثرة النيّات الحسنة فإن الطاعة الواحدة يمكن أن ينوي بها خيرات كثيرة فيكون له بكل نيّة ثواب، إذ كل واحدة منها حسنة ثم تضاعف كل حسنة عشر أمثالها. كما ورد به الخبر. - إلى أن قال -
القسم الثالث: المباحات، وما من شىء من المباحات إلا ويحتمل نيّة أو نيّات يصير بها من محاسن القربات ويُنال بها معالي الدرجات، فما أعظم خسران مَن يغفل عنها ويتعاطاها تعاطي البهائم المهملة عن سهو ٍ وغفلة ... الخ] [2] .
(فائدة) المعاصي لا تُباح بالنيّة وإنما بدليل شرعي خاص:
اعلم أن المعصية لاتُباح ولاتنقلب طاعة بالنيّة كما سبق في كلام أبي حامد الغزالي رحمه الله. واعلم أنه إذا جاز فعل بعض المعاصي في أحوال خاصة فإن هذا لايجوز إلا بدليل خاص مبيح لفعل المعصية لابمجرد النية. ومثال هذا:
أ - الكذب محرّم ومن الكبائر، ولكنه يجوز في ثلاثة مواضع بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بمجرد النية، وهذه المواضع
(1) (فتح الباري) ج 1 ص 15
(2) (إحياء علوم الدين) ج 4 ص 388 - 391