وقيل: الإخلاص دوام المراقبة ونسيان الحظوظ كلها، وهذا هو البيان الكامل] [1] .
2 -بيان حقيقة الإخلاص:
قال أبو حامد الغزالي رحمه الله [اعلم أن كل شيء يتصور أن يشوبه غيره، فإذا صفا عن شوبه وخلص عنه سمي خالصًا، ويسمى الفعل المصفى المُخْلَص: إخلاصًا. قال الله تعالى (مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ) النحل: 66، فإنما خلوص اللبن أن لايكون فيه شوب من الدم والفرث ومن كل مايمكن أن يمتزج به، والإخلاص يضاده الإشراك، فمن ليس مخلصًا فهو مشرك إلا أن الشرك درجات، فالإخلاص في التوحيد يضاده التشريك في الإلهية. والشرك، منه خفي ومنه جلي، وكذا الإخلاص. والإخلاص وضدّه يتواردان على القلب فمحله القلب وإنما يكون ذلك في القصود والنيات. وقد ذكر حقيقة النية وأنها ترجع إلى إجابة البواعث، فمهما كان الباعث واحدًا على التجرد سمي الفعل الصادر عنه إخلاصا بالإضافة إلى المنوي، فمن تصدّق وغرضه محض الرياء فهو مخلص، ومن كان غرضه محض التقرب إلى الله تعالى فهو مخلص. ولكن العادة جارية بتخصيص اسم الإخلاص بتجريد قصد التقرب إلى الله تعالى عن جميع الشوائب، كما أنّ الإلحاد عبارة عن الميل ولكن خصصته العادة بالميل عن الحق] [2] .
سابعا - التعبّد بالإخلاص:
أمر الله تعالى عباده بالإخلاص
فقال تعالى (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) البينة: 5.
وقال تعالى (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ) الزمر: 11.
وقال تعالى (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) الكهف: 110.
وإذا كان العبد مأمورًا بإخلاص نيته لله تعالى وألا يبتغي بعمله وعبادته إلا رضوان الله تعالى، فإن إخلاصها بحاجة ٍ إلى علم ومجاهدة يُرزَقه السعداء ويُحْرَمه الأشقياء.
ولهذا قال أيوب السَّختياني رحمه الله [تخليص النيّات على العُمّال أشد عليهم من جميع الأعمال] [3] .
وقال سفيان الثوري رحمه الله [كانوا يتعلّمون النية للعمل كما تتعلمون العمل] [4] .
وقال بعض العلماء: اطلب النية للعمل قبل العمل، وما دمت تنوي الخير فأنت بخير.
ثامنا - بيان أن الإخلاص شرط في قبول الأعمال:
قال تعالى (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) الكهف: 110، جمعت هذه الآية شرطي قبول العمل، وهما:
(1) (إحياء علوم الدين) ج 4 ص 402 - 403 باختصار
(2) (إحياء علوم الدين) ج 4 ص400
(3) قول أيوب السابق مذكور (بإحياء علوم الدين) ج 4 ص 399
(4) قول الثوري ومابعده بنفس المصدر ص 384