فهل يستقيم - مع كلامه هذا - أن يتابع ابن باز في فتواه؟.
ولا يفوتني في هذا المقام أن أوصي كل من يفتي الناس - أيما كانت رتبته - بأن يكون ذا بصيرة في الواقع الذي يفتي فيه حتى لايخدعه المستفتي في عرض الواقع القبيح في ثوب حسن، كما ألبس هؤلاء الديمقراطية الشركية ثوب الدعوة إلى الله، فإن من شروط المفتي معرفة الواقع الذي يفتي فيه، كما قال ابن القيم - في أحكام المفتي - [الفائدة الرابعة والأربعون: يحرم عليه إذا جاءته مسألة فيها تَحَيُّل على إسقاط واجب أو تحليل محرم أو مكر أو خداع أن يعين المستفتي فيها، ويرشده إلى مطلوبه، أو يفتيه بالظاهر الذي يتوصل به إلى مقصوده، بل ينبغي له أن يكون بصيرًا بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم، ولاينبغي له أن يُحسن الظن بهم، بل يكون حذرًا فَطِنًا فقيهًا بأحوال الناس وأمورهم، يوازره فقهه في الشرع، وإن لم يكن كذلك زَاغَ وأزاغ، وكم من مسألة ظاهرها ظاهر جميل، وباطنها مكر وخداع وخداع وظلم، فالغرُّ ينظر إلى ظاهرها ويقضي بجوازه، وذو البصيرة ينقد مقصدها وباطنها، فالأول يروج عليه زَغَل المسائل كما يروج على الجاهل بالنقد زَغَلُ الدراهم، والثاني يخرج زيفها كما يخرج الناقد زَيْف النقود. وكم من باطل يُخرجه الرجلُ بحُسن لفظه وتنميقه وإبرازه في صورة حق، وكم من حق يخرجه بتهجينه وسوء تعبيره في صورة باطل، ومن له أدنى فطنة وخبرة لايخفى عليه ذلك، بل هذا أغلب أحوال الناس، ولكثرته وشهرته يُستغنى عن الأمثلة. بل من تأمل المقالات الباطلة والبِدَع كلها وجدها قد أخرجها أصحابها في قوالب مستحسنة وكَسَوْها ألفاظا يقبلها بها من لم يعرف حقيقتها] [1] . ولنا عود إلى الكلام عن الديمقراطية في المبحث الثامن من الباب السابع بآخر هذا الكتاب إن شاء الله. هذا وبالله تعالى التوفيق.
ثم نتابع الكلام في بقية مباحث النيّة.
سادسا - تعريف الإخلاص وبيان حقيقته:
ذكرنا في أقسام النية أنها قسمان: نيّة العمل، ونية المعمول له، والإخلاص متعلق بالقسم الثاني (نيّة المعمول له) . فإذا كان المعمول له واحدًا فهى نيّة خالصة، وإذا عمل العبد لأكثر من معمول له (أي أكثر من غرض) فهى نية غير خالصة أي فيها تشريك.
1 -ومن هنا يمكننا تعريف الإخلاص بأنه:
في اللغة: هو إفراد المعمول له بالقصد.
أو هو تخليص الغرض الباعث على العمل من المشاركة.
أما في الشرع: فالإخلاص هو قصد الله تعالى وحده بالعمل، طاعة له.
وعلى هذا فالإخلاص أخصّ من النيّة، فكل إخلاص هو نية، وليست كل نيّة إخلاصا، إذ النيّة هى قصد القلب أما الإخلاص فهو قصد مخصوص للقلب.
قال أبو حامد الغزالي رحمه الله [بيان أقاويل الشيوخ في الإخلاص: -
قال سهل رحمه الله: الإخلاص أن يكون سكون العبد وحركاته لله تعالى خاصة، وهذه كلمة جامعة محيطة بالغرض، وفي معناه قول إبراهيم بن أدهم: الإخلاص صدق النية مع الله تعالى. وقيل لسهل: أي شيء أشد على النفس؟ فقال: الإخلاص إذ ليس لها فيه نصيب.
وقال أبو عثمان: الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق فقط، وهذه إشارة إلى آفة الرياء فقط.
(1) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 229 - 230