الأحوال، ولهذا أنزلت في هذه السورة المكية، ونفي التحريم عما سواها، فإنما حرمه بعدها كالدم والميتة ولحم الخنزير حرمه في حال دون حال، وليس تحريمه مطلقًا. وكذلك «الخمر» يباح لدفع الغصة بالاتفاق، ويباح لدفع العطش في أحد قولي العلماء، ومن لم يبحها قال: إنها لاتدفع العطش، وهذا مأخذ أحمد. فحينئذ فالأمر موقوف على دفع العطش بها، فإن علم أنها تدفعه أبيحت بلا ريب. كما يباح لحم الخنزير لدفع المجاعة، وضرورة العطش الذي يرى أنه يهلكه أعظم من ضرورة الجوع، ولهذا يباح شرب النجاسات عند العطش بلا نزاع، فإن اندفع العطش وإلا فلا إباحة في شيء من ذلك.) [1] .
وإذ قد تبين لك أن الديمقراطية من الشرك الأكبر لأن حقيقتها اتخاذ الناس أربابا مشرعين من دون الله، فإن الشرك - كما قال ابن تيمية رحمه الله من المحرمات القطعية التي لاتباح لا لضرورة ولا لغير ضرورة ولا للمصلحة، فقد قال ابن تيمية [وهذا لايجيء في الأنواع الأربعة، فإن الشرك والقول على الله بلا علم والفواحش ماظهر منها ومابطن والظلم: لايكون فيها شيء من المصلحة.] [2] . فهذا هو ضابط مايباح من المعاصي بدليل خاص ومالا يباح منها بحال اللهم إلا في الإكراه الملجيء بشروطه المعتبرة شرعًا.
وبكل أسف فقد تابع الشيخ ابن باز في إجازته المشاركة في البرلمانات الشركية بعض أهل العلم بدعوى أنها ضرورة، وهذا هو التقليد المحرم المذموم، والذي سنبسط فيه القول في الباب الخامس من هذا الكتاب إن شاء الله. وممن تابع ابن باز في هذا الدكتور سفر الحوالي [3] ، وقد خصصته بالذكر لسببين: أحدهما: أنه يُدرِّس للناس العقيدة ويعلم حقيقة الشرك وأنواعه، والثاني: أنه كتب كتابا في (العلمانية) بيّن فيه أصل الديمقراطية وحقيقتها الشركية. فكان بذلك من أولى الناس بألا يقع في هذا التقليد المذموم وهو التقليد بخلاف الدليل الشرعي. وإليك بعض كلامه عن الديموقراطية في كتابه (العلمانية) قال د. سفر الحوالي (ص 687) [من هذه الشبهات استصعاب بعض الناس إطلاق لفظ الكفر أو الجاهلية على من أطلقهما الله تعالى عليه من الأنظمة والأوضاع والأفراد بذريعة أن هذه الأنظمة - لاسيما العلمانية الديموقراطية - لاتنكر وجود الله ولاتمانع في إقامة شعائر التعبد وبعض أفراد الأنظمة العلمانية يتلفظون بالشهادة ويقيمون الشعائر من صلاة وصيام وحج وصدقة ويحترمون رجال الدين (!) والمؤسسات الدينية ... الخ. فكيف نستسيغ القول بأن العلمانية نظام جاهلي وأن المؤمنين بها جاهليون؟.
ومن الواضح جدًا أن الذين يلوكون هذه الشبهة لايعرفون معنى لا إله إلا الله ولا مدلول «الإسلام» وهذا على فرض حسن الظن بهم، وهو مالا يجوز في حق كثير من المثقفين الذين يتعللون بهذه العلل] وقال د. سفر أيضا (ص 692 - 693) [وجدير بنا أن نقف قليلا عند قول شيخ الإسلام إن الردة عن شرائع الدين أعظم من خروج الخارج الأصلي عنها، لنقول: إن هذا هو ماأدركه المخطط اليهودي الصليبي كما سبق في وصية زويمر فقد يئس المخطط من إخراج المسلمين عن أصل دينهم إلى المذاهب الإلحادية والمادية فلجأ - بعد التفكير والتدبير - إلى ماهو أخبث وأخطر: لجأ إلى اصطناع أنظمة تحكم بغير ماأنزل الله وفي الوقت نفسه هى تدعي الإسلام وتظهر احترام العقيدة، فقتلوا إحساس الجماهير وضمنوا ولاءها وخَدّروا ضميرها، ثم انطلقوا يهدمون شريعة الله في مأمن من انتفاضتها، ولذلك لايجرؤ أرباب هذه الأنظمة على التصريح بأنهم ملحدون أو لا دينيون بينما يصرحون - مفتخرين - بأنهم «ديموقراطيون» مثلًا.] [4] .
(1) (مجموع الفتاوي) 14/ 470 - 471
(2) (مجموع الفتاوي 14/ 476
(3) (في شريط مسجل رقم 4661 - تسجيلات الهداية الإسلامية بالدمام - محاضرة 23/ 6 / 1412 هـ)
(4) (العلمانية) ط جامعة أم القرى 1402 هـ