وإذ قد تبين لك أن المشاركة في هذه البرلمانات بالترشيح أو الانتخاب من الكفر الأكبر، وإذا كنا قد قلنا إن المعاصي لاتُباح بالنيّة وإنما بدليل خاص من الشريعة، فالكفر أشد من المعاصي وأكبر، فلا يُباح لا بالنية ولا للضرورة ولا للمصلحة، فالقول بالمصلحة وإن تحققت شروطها الشرعية إنما هو اجتهاد، ولا اجتهاد في مورد النص.
وقد زعم بعض الكفار أن نيتهم وقصدهم من الكفر التقرب إلى الله، فرَدّ الله عليهم قولهم وأكفَرَهم وأكذبهم، فلو كانوا يريدون القربى إلى الله لتقربوا إليه بما شرعه لا بما نهى عنه، وذلك في قوله تعالى
(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) الزمر: 3. وقال الشيخ ابن باز نفسه [وقد زعم المشركون أنهم قصدوا بعبادة الأنبياء والصالحين واتخاذهم الأصنام والأوثان آلهة مع الله، زعموا أنهم إنما أرادوا بذلك القربة والشفاعة إلى الله سبحانه، فردّ الله عليهم ذلك وأبطله بقوله عزوجل (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) يونس: 18، ثم ذكر آية سورة الزمر السابقة] [1] .
فهذا نفسه هو حال من يدخل البرلمان ويقول قصده الدعوة إلى الله، هو كاذب كَفَّار، وإن سَمَّى إشراكه بالله دعوة ً إلى الله، فقد قال ابن القيم رحمه الله [ولو أوجب تبديل الأسماء والصور تبدل الأحكام والحقائق لفسدت الديانات وبُدِّلت الشرائع واضمحل الإسلام، وأي شيء نَفَعَ المشركين تسميتهم أصنامهم آلهة وليس فيها شيء من صفات الإلهية وحقيقتها؟، وأي شيء نفعهم تسميتهم الإشراك بالله تقربًا إلى الله؟ - إلى قوله - فهؤلاء كلهم حقيق أن يُتلى عليهم (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ) النجم: 23] [2] .
وعلى هذا ففتوى الشيخ ابن باز هذه خطأ. وعليك بهذه الفائدة، اُشْدُد عليها يديك وهى أن (المعاصي لاتباح بالنية وإنما بدليل خاص) . وقال أبو حامد الغزالي رحمه الله - في كلامه السابق - [فلا ينبغي أن يفهم الجاهل ذلك من عموم قوله عليه السلام «إنما الأعمال بالنيات» فيظن أن المعصية تنقلب طاعة بالنية - إلى قوله - فهذا كله جهل، والنية لاتؤثر في إخراجه عن كونه ظلمًا وعدوانًا ومعصية، بل قصدُه الخيرَ بالشر - على خلاف مقتضى الشرع - شر آخر، فإن عَرَفه فهو معاند للشرع، وإن جهله فهو عاص ٍ بجهله] [3] .
هذا، وإذا كنت قد ذكرت أن المعاصي لاتباح بالنية الحسنة وإنما بدليل شرعي خاص، فإن هذا لاينطبق على جميع المعاصي، فإن هناك محرمات لاتباح بحال، وهناك محرمات تباح في حال دون حال بدليل خاص، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية الفرق بين هذين القسمين، فقال رحمه الله [إن المحرمات قسمان: أحدهما: ما يقطع بأن الشرع لم يبح منه شيئًا لا لضرورة ولا لغير ضرورة: كالشرك، والفواحش، والقول على الله بغير علم. والظلم المحض، وهى الأربعة المذكورة في قوله تعالى (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) الأعراف: 33.
فهذه الأشياء محرمة في جميع الشرائع، وبتحريمها بعث الله جميع الرسل، ولم يبح منها شيئًا قط، ولا في حال من
(1) (مجموع فتاوي الشيخ ابن باز) ج 3 ص 38
(2) (اعلام الموقعين) ج 3 ص 130
(3) (إحياء علوم الدين) ج 4 ص 388