وذكر أبو حامد الغزالي رحمه الله أمثلة للأغراض التي تفسد الإخلاص في طلب العلم، فقال[أو يتعلم العلم ليسهل عليه طلب مايكفيه من المال أو ليكون عزيزًا بين العشيرة، أو ليكون عقاره أو ماله محروسًا بعز العلم عن الأطماع. أو اشتغل بالدرس والوعظ ليتخلص من كرب الصمت ويتفرج بلذة الحديث. أو تكفل بخدمة العلماء الصوفية لتكون حرمته وافرة عندهم وعند الناس، أو لينال به رفقًا في الدنيا. أو كتب مصحفًا ليجوِّد بالمواظبة على الكتابة خطه. - إلى أن قال - فمهما كان باعثه هو التقرب إلى الله تعالى ولكن انضاف إلىه خطرة من هذه الخطرات، حتى صار العمل أخف عليه بسبب هذه الأمور، فقد خرج عمله عن حدّ الإخلاص وخرج عن أن يكون خالصًا لوجه الله تعالى وتَطَرَّق إليه الشرك. وقد قال تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشركة» .
وبالجملة، كل حظ من حظوظ الدنيا تستريح إليه النفس ويميل إليه القلب - قل أم كثر - إذا تطرق إلى العمل تَكدَّر به صفوه وزال به إخلاصه] [1] .
والخلاصة: أن من طلب العلم لغرض من أغراض الدنيا فقد فسد إخلاصه، أو نقص بحسبه، وقد ورد الوعيد في حق فاعله، ومن هذا:
أ - قال صلى الله عليه وسلم (من تعلّم علما مما يُبْتغى به وجه الله عزوجل لايتعلمه إلا ليصيب به عَرَضًا من الدنيا لم يجد عَرْف الجنة يوم القيامة) [2] .
ب - وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجل استُشهِدَ، فأُتيَ به فَعَرَّفَهُ نِعْمَتَهُ فَعَرَفها، قال:(فما عمِلت فيها؟) قال: قاتلت فيك حتى استُشهدتُ. قال: (كذبتَ، ولكنك قاتلتَ لأن يُقال جريء، فقد قيل ثم أُمِرَ به فسُحِبَ على وجهه حتى ألقي في النار
ورجل تعلم العلم وعلّمه، وقرأ القرآن، فأُتِيَ به فَعَرَّفَهُ نِعْمَتَهُ فَعَرَفها، قال: (فما عمِلت َ فيها؟) قال: تعلمتُ العلم وعلمتُه، وقرأتُ فيك القرآن، قال: (كذبت ولكنك تعلمت ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال قارئ فقد قيل) ، ثم أُمِرَ به فسُحِبَ على وجهه حتى ألقي في النار.
ورجل وَسَّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأتُي به فعرفه نِعْمَتَه فعرفها، قال (فما عملت فيها؟) قال: ماتركتُ من سبيل تحبُّ أن يُنْفَقَ فيها إلا أنفقتُ فيها لك. قال: (كذبت، ولكنك فعلت ليقال جواد فقد قيل) ثم أُمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار) [3] .
د - وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ماذئبان جائعان أُرسِلا في غنم بأفسدَ لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه) [4] . ومعنى الحديث أن الحرص على المال والشرف يفسد الدين أشد من إفساد الذئبين الجائعين لحظيرة الغنم، فلا يسلَم للمرء دينه مع هذا الحرص، بل قد يذهب دينه بالكلية. وأورد أبو عمر بن عبدالبر رحمه الله في (جامع بيان العلم) باب (ذم الفاجر من العلماء وذم طلب العلم للمباهاة والدنيا) . وروى فيه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال (لو أن حملة العلم أخذوه بحقه وما ينبغي لأحبهم الله وملائكته والصالحون ولَهَابَهُمُ الناس، ولكن طلبوا به الدنيا فأبغضهم الله وهانوا على الناس) وروي أبو عمر عن حّماد بن سلمة رحمه الله قال: (من طلب الحديث لغير الله مَكَرَ به) ] [5] .
(1) (إحياء علوم الدين) ج 4 ص 400 - 402
(2) يعني ريحها، رواه أبو داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه الحاكم والذهبي
(3) رواه مسلم
(4) رواه الترمذي والدرامي عن كعب بن مالك رضي الله عنه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح
(5) (جامع بيان العلم) ج 1 ص 186 - 191