قال ابن حجر رحمه الله [وكأن هذه الأمور الخمسة خُصَّت بالذكر لكونها مُشعرة باختلال الأمور التي يحصل بحفظها صلاح المعاش والمعاد وهي: الدين لأن رفع العلم يُخلُّ به، والعقل لأن شرب الخمر يُخلّ به، والنسب لأن الزنا يُخلّ به، والنفس والمال لأن كثرة الفتن تخلّ بهما. قال الكِرْماني: وإنما كان اختلال هذه الأمور مُؤْذِنًا بخراب العالم لأن الخلق لايُتركون هملًا، ولانبي بعد نبينا صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين، فيتعين ذلك. وقال القرطبي في «المفهم» : (في هذا الحديث علم من أعلام النبوة إذ أخبر عن أمور ستقع فوقعت، خصوصا في هذه الأزمان] [1] . فانظر كيف وصف القرطبي زمانه؟. وأشد منه ماذكره البيهقي(ت 458 هـ) فقد أورد في كتابه (دلائل النبوة) حديث أنس (إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم ... ) الحديث، في باب [ماجاء في إخباره صلى الله عليه وسلم بذهاب العلم وظهور الجهل، فذهب ذلك في زماننا هذا من أكثر البلدان، واستولى على أهلها الجهل، وظهَر سائر ماروي في ذلك الخبر] [2] . فإذا كان هذا هو وصف البيهقي رحمه الله لعصره، أي منذ ما يقرب من ألف سنة خلت، فكيف بزماننا وأهله؟. وقد كان حال أهل زماننا من البواعث على تأليف هذا الكتاب كما ذكرته في المقدمة.
(فائدة) نقص العلم يقع بموت العلماء كما في حديث قبض العلم (ولكن يقبض العلم بقبض العلماء) الحديث وقد سبق، قال ابن حجر [فكلما مات عالمٌُ في بلد ولم يخلُفه غيره نقص العلم من تلك البلدة)[3] . وذكر أبو سليمان الخطابي رحمه الله حديث قبض العلم في كتابه (العزلة) وقال فيه (قد أعلَمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آفة العلم ذَهَاب أهله وانتحال الجهال وترؤسهم على الناس باسمه وحَذَّر الناس أن يقتدوا بمن كان من أهل هذه الصفة، وأخبر أنهم ضلال مُضلون - ثم روى الخطابي بسنده - عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم(إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلمُ ويظهر الجهل) - وقد رواه البخاري - قال الخطابي: يريد والله أعلم ظهور الجُهال المنتحلين للعلم المترئسين على الناس به قبل أن يتفقّهوا في الدين ويرسخوا في علمه] [4] .
ولكن العلم لايُرفع بالكلية من الأرض مادامت الطائفة المنصورة باقية وذلك حتى هبوب الريح التي تقبض أرواح المؤمنين. وذلك بعد بدء العلامات الكبرى كخروج الدجال ومقتله، ونزول عيسي عليه السلام وموته، وخروج يأجوج ومأجوج ومهلكهم، وطلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة وبهما يُختم على كل قلب بما فيه، ثم تهب تلك الريح فتقبض أرواح المؤمنين، ويبقى شرار الخلق عليهم تقوم الساعة، كما دلت على ذلك جملة أحاديث أشراط الساعة. وكأن العلم والإيمان من لوازم بقاء الدنيا، فإذا قبض العلم والإيمان قامت القيامة. نسأل الله تعالى لنا ولسائر المسلمين أن يثبتنا على دينه وأن يختم لنا بصالح الأعمال وأن يجعل الجنة مأوانا بغير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، ذلك الفضل من الله، إنه على كل شيء قدير، آمين.
هذا، ونقص العلم وظهور الجهل مناسبان لشيوع الفتن والشرور، إذ قرن الله تعالى - في كتابه - كل شر بالجهل:
فقرن سبحانه فعل المعاصي بالجهل في قوله تعالى (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ) النساء: 17، وقال تعالى (وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ) يوسف: 33، وقال تعالى (قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ) يوسف: 89. وقال بعض السلف: كل من عصى الله تعالى فهو جاهل.
وقرن سبحانه الظلم بالجهل في قوله تعالى (وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) الأحزاب: 72.
وقرن سبحانه الضلال بالجهل في قوله تعالى (وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ) الأنعام: 119.
(1) (فتح الباري) ج 1 ص 179
(2) (دلائل النبوة) للبيهقي، ج 6 ص 543، ط دار الكتب العلمية 1405 ه
(3) (فتح الباري) ج 13 ص 17
(4) (كتاب العزلة) ط السلفية ص 96