فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 1285

ورواه ابن ماجه عنه مرفوعا (إن مما يلحَقُ المؤمنَ من عمله وحسناته بعد موته، علمًا عَلَّمه ونشره، وولدًا صالحًا تركه، ومصحفًا ورَّثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من مالِه في صحته وحياته، يلحُقُه من بعد موته) .

فانظر إلى عِظَم هذا الثواب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يناله مثل ثواب كل من عمل الخير من أمته، والصحابة رضي الله عنهم كذلك ينالهم، إذ هم الذين حملوا إلينا هذا العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم وبلّغوه لنا عبر الأجيال. ثم العلماء الأعلام من بعدهم وإلى يوم القيامة ينال كل منهم مثل ثواب من انتفع بعلمهم وكتبهم، فكل من قرأ في صحيح البخاري وانتفع به - على سبيل المثال - نال البخاري رحمه الله مثل أجر هذا القارئ، وينال رجال أسانيد البخاري مثل هذا الأجر حتى ترتفع الأسانيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقِس على هذا.

ويدخل في هذا أيضا وَقْف كتب العلم النافع كالقرآن وكتب التفسير والحديث والفقه، فإذا اشتريت مصحفا وجعلته وقفا في مسجد، فلك مثل ثواب كل من قرأ في هذا المصحف، ودليل ذلك الحديث المذكور (أو علم ٍ ينتفع به) ، فالقرآن رأس العلوم الشرعية وأساسها، قال تعالى (فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ) آل عمران: 61، وهذه الصورة ليست هي مسألة (هل ينال الميت ثواب من قرأ القرآن وأهدى ثوابه له؟) ،بل هي مسألة أخرى ودليلها ماذكرناه.

أما مسألة هل ينال الميت ثواب قراءة الأحياء؟ ففيها خلاف، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يناله ثوابه [1] . وهو أيضا اختيار ابن القيم رحمهما الله، قال ابن القيم [وأما قراءة القرآن، وإهداؤها له - أي الميت - تطوعا بغير أجرة فهذا يصل إليه كما يصل ثواب الصوم والحج] [2] .

8 -ومن فضل العلم أنه عاصم - بإذن الله - من الفتن والشرور، فكلما نقص العلم كلما ازدادت الفتن. ومن هنا أورد البخاري رحمه الله في كتاب العلم من صحيحه [باب (رفع العلم وظهور الجهل) ، وروى فيه عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم، ويثبُت الجهل، ويُشرب الخمر، ويظهر الزنا) ، وروى عنه أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من أشراط الساعة أن يقل العلم، ويظهر الجهل، ويظهر الزنا، وتكثُر النساء، ويقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأة القيِّم الواحد) . وروى البخاري في نفس الباب أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (يُقبض العلم، ويظهر الجهل والفتن، ويكثر الهَرْج) قيل يارسول الله وما الهرج؟ فقال: هكذا بيده فحرَّفها، كأنه يريد القتل] [3] .

(1) (مجموع الفتاوي ج 24 ص 300 و 321 - 324 و 366 وج 31 ص 41)

(2) (الروح) لابن القيم، ط مكتبة المدني، ص 191 - 192

(3) وقد أورد البخاري جملة من أحاديث نقص العلم في كتاب الفتن من صحيحه (أحاديث 7062 إلى 7066 و 7121)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت