كذلك فقد دل كتاب الله على مراعاة شرط العلم فيمن يترأس على الناس، وذلك في قوله تعالى (قَالُوَا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) البقرة: 247 - والعلماء هم الأمناء على هذا الدين: يعلمون الجاهل، ويردّون الغالى، ويكشفون زيغ الزائغ والمبتدع، كما في الحديث (يحمل هذا العلم من كل خَلَفٍ عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين) [1] .
ومن هذا الحديث أخذ أحمد بن حنبل رحمه الله مقدمة كتابه (الرد علي الزنادقة والجهمية) فقال: [الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل، بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى. ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه. وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس. وأقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين. الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عقال الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله، وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهّال الناس بما يشبهون عليهم. فنعوذ بالله من فتن المضلين] [2] .
7 -ومن فضل العلم: أن صاحبه يجري عليه بعد موته ثواب ما نشره من العلم، فينال مثل أجر كل من انتفع بعلمه في حياته وبعد مماته، ويدل على هذا:
أ - قول الله عز وجل (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) يس: 12. ومعنى قوله تعالى (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى) أي يوم القيامة، ومعنى (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا) أي ماقدَّموه في حياتهم الدنيا من الأعمال، ومعنى (وَآثَارَهُمْ) أي ما خلّفوه من الأثر بعد موتهم إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، كالصدقة الجارية والعلم النافع يجري على صاحبها ثوابها، وكالبدعة والضلالة يجري على صاحبها وزرها ما عُمل بها من بعده كما دلت عليه الأحاديث وسيأتي بعضها.
وذكر ابن كثير رحمه الله قولًا ثانيا في (وَآثَارَهُمْ) وأن المراد بذلك آثار خطاهم إلى الطاعة أو المعصية. وهذا القول وإن كانت تحتمله اللغة إلا أن القول الأول هو الراجح إن شاء الله. لورود قوله تعالى (وَآثَارَهُمْ) في مقابل قوله تعالى (مَا قَدَّمُوا) فهذا ما عملوه بأنفسهم في حياتهم، وذاك ما خلفوه من الأثر بعد مماتهم.
ب - قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من دَلّ على خيرٍ فله مثل أجرِ فاعله) [3] .
ج - وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثلُ أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لاينقص ذلك من آثامهم شيئا) [4] .
د - وقال صلى الله عليه وسلم (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له) [5] .
(1) رواه ابن عدي عن علي وابن عمر، ورواه الخطيب عن معاذ، والطبري عن أسامة بن زيد، ورُوى أيضا عن أبي هريرة وابن مسعود، وقال أحمد بن حنبل هو حديث صحيح كما ذكر الخلاّل في كتاب العلل، ذكر هذا كله ابن القيم في (مفتاح دار السعادة، 1/ 163) ، ونقل الخطيب البغدادي تصحيحه عن أحمد في كتابه (شرف أصحاب الحديث) ص 29
(2) انظر (مجموعة عقائد السلف) ط دار المعرفة بالإسكندرية 1971 م ص 52، و (منهاج السنة) لابن تيمية، تحقيق د. محمد رشاد سالم ج 5 ص 273، وفي (اعلام الموقعين) لابن القيم ج 1 ص 9
(3) رواه مسلم عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه
(4) رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه
(5) رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه