قال ابن القيم رحمه الله [الوجه الخمسون - في فضل العلم - مارواه الترمذي من حديث أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع) قال الترمذي هذا حديث حسن غريب رواه بعضهم فلم يرفعه. وإنما جعل طلب العلم من سبيل الله لأن به قوام الإسلام كما أن قوامه بالجهاد فقوام الدين بالعلم والجهاد، ولهذا كان الجهاد نوعين: جهاد باليد والسنان وهذا المشارك فيه كثير، والثاني: الجهاد بالحجة والبيان وهذا جهاد الخاصة من اتباع الرسل وهو جهاد الأئمة وهو أفضل الجهادين لعظم منفعته وشدة مؤنته وكثرة أعدائه. قال تعالى في سورة الفرقان وهي مكية (وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا، فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) الفرقان: 51-52، فهذا جهاد لهم بالقرآن وهو أكبر الجهادين، وهو جهاد المنافقين أيضًا فإن المنافقين لم يكونوا يقاتلون المسلمين بل كانوا معهم في الظاهر، وربما كانوا يقاتلون عدوهم معهم، ومع هذا فقد قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) التوبة: 73، ومعلوم أن جهاد المنافقين بالحجة والقرآن. والمقصود أن سبيل الله هو الجهاد وطلب العلم ودعوة الخلق به إلى الله] [1] .
4 -ويدل علي فضل العلم قوله صلى الله عليه وسلم (من سلك طريقا يطلب فيه علما، سلك الله به طريقا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يُورثوا دينارًا ولادرهما، إنما وَرَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍ وافر) [2] .
دَلَّ هذا الحديث على فضل العلم وفضل أهله من أكثر من وجه:
أ- منها أن العلم هو ميراث النبوة.
ب- وأن العلماء هم ورثة الأنبياء في تبليغ العلم والحكم به بين الناس لا في التشريع.
ج - وأن العالم يستغفر له من في السموات والأرض.
د - وأن طلب العلم من الطرق الموصِّلة إلى الجنة.
فأي فضيلة فوق هذا؟
5 -والعلم هو الرياسة الحقيقية، إذ إلى أهله المرجع والردّ عند الاختلاف، وقد ذكرنا أدلة هذا من كتاب الله، ومنه قوله تعالى (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ) النساء: 59، والرد إلى الله والرسول صلى الله عليه وسلم هو الرد إلى الكتاب والسنة، والرد إلى الكتاب والسنة هو الرد إلى العلماء العالمين بهما. ويدل عليه قوله تعالى فالعلماء هم الحكام على الحقيقة بقولهم هذا يجوز وهذا لايجوز، وهذا صواب وهذا خطأ. قال الشاطبي رحمه [ومن ذلك صار العلماء حكامًا على الخلائق أجمعين قضاء أو فتيا أو ارشادًا لأنهم اتصفوا بالعلم الشرعي الذي هو حاكم بإطلاق] [3] .
وقد دلّ على هذا من السنة: قوله صلى الله عليه وسلم (إن الله لايقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالما اتخذ الناس رءوسا جُهّالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) [4] . فالحديث يدل بإشارته على وجوب تقديم العلماء في الرياسة والتحذير من ترأس الجهال.
وروى مسلم في صحيحه عن نافع بن عبد الله الخزاعى - وكان عامل عمر رضي الله عنه على مكة - أنه لقيه بعُسْفان. فقال له: من استخلفت؟، فقال استخلفت ابن أبزى مولى لنا، فقال عمر: استخلفت مولى؟، قال: إنه قاريء لكتاب الله، عالم بالفرائض، فقال عمر: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين) . فكان علمُ ابن أبزى مدعاة لتأميره وتقديمه على غيره.
(1) مفتاح دار السعادة 1/ 70
(2) رواه أبو داود واللفظ له والترمذي وابن ماجة عن أبي الدرداء رضي الله عنه وصححه ابن حبان -- وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا (ومن سلك طريقا يلتمس فيه علمًا، سهل الله له به طريقًا إلى الجنة) الحديث.
(3) الاعتصام للشاطبي، 2/ 341
(4) متفق عليه