فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 1285

واستدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن الزمان لايخلو عن مجتهد، وأن الاجتهاد في الدين لاينقطع حتى يأتي أمر الله [1] . و (أمر الله) المذكور في رواية البخاري هو هبوب الريح التي تقبض روح كل من كان في قلبه شيء من الإيمان ويبقى شرار الخلق عليهم تقوم الساعة، كما في الحديث الذي رواه مسلم عن عبد الرحمن بن شُمَاسة المَهْرِى قال: كنت عند مَسْلَمة بن مُخَلَّد وعنده عبدالله بن عمرو بن العاص، فقال عبدالله (لاتقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شرٌّ من أهل الجاهلية، لايدعون الله بشيء إلا رَدّه عليهم) ، فبينما هم على ذلك أقبل عقبة بن عامر، فقال له مسلمة: ياعقبة اسمع مايقول عبدالله، فقال عقبة هو أعلم، وأما أنا فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (لاتزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لايضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك) ، فقال عبد الله أجل ثم يبعث الله ريحًا كريح المسك مَسُّها مَسّ الحرير، فلا تترك نفسًا في قلبه مثقال حبة من الإيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس عليهم تقوم الساعة. انتهى. فهذا يقيد لفظ (إلي يوم القيامة) الوارد في رواية مسلم لحديث الطائفة المنصورة المذكور أعلاه.

وتدل الروايات السابقة لحديث الطائفة المنصورة على أن إظهار الحق واستقامة هذه الأمة منوط بطائفتين من المؤمنين: أهل العلم كما ذكرنا، وأهل الجهاد لقوله صلى الله عليه وسلم - في رواية مسلم - (لاتزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة) . وهاتان الطائفتان: العلماء والمجاهدون هم أهل الكتاب وأهل الحديد المذكورون في قوله تعالى (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) الحديد: 25، هذا ما ذكره ابن تيمية في هاتين الطائفتين [2] . وروى الخطيب البغدادي بإسناده عن إسحق بن عبدالله قال [أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم وأهل الجهاد، قال: فأما أهل العلم فدلّوا الناس علي ماجاءت به الرسل، وأما أهل الجهاد فجاهدوا على ماجاءت به الرسل] [3] .

3 -ومن فضل العلم أن طالبه بمنزلة المجاهد في سبيل الله، لقوله صلى الله عليه وسلم (من جاء مسجدي هذا، لم يأته إلا لخير يَتَعلمُه أو يُعَلِّمَه، فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله، ومن جاء لغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره) [4] .

وروى ابن عبد البر عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال [من رأى الغُدُوّ والرواح إلي العلم ليس بجهاد فقد نقص عقله ورأيه] ، وروي عنه أيضا قال [ما من أحد يغدو إلى المسجد لخير يتعلمه أو يُعَلمِّه إلا كتب له أجر مجاهد لاينقلب إلا غانما] [5] .

(1) فتح الباري، 1/ 164

(2) مجموع الفتاوى، 10/ 354

(3) الفقيه والمتفقِّه، 1/ 35

(4) رواه ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه وإسناده حسن وصححه ابن حبان

(5) جامع بيان العلم، 1/ 31 - 32

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت