فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 1285

ويدل الحديث بمفهومه علي أن من لم يتفقه في الدين فقد حُرِمَ الخير، قال ابن حجر [وقد أخرج أبو يعلى حديث معاوية من وجه آخر ضعيف وزاد في آخره «ومن لم يتفقه في الدين لم يُبَال الله به» والمعنى صحيح، لأن من لم يعرف أمور دينه لايكون فقيها ولا طالب فقه، فيصح أن يوصف بأنه ما أريد به الخير، وفي ذلك بيان ظاهر لفضل العلماء علي سائر الناس، ولفضل التفقه في الدين علي سائر العلوم] [1] . وقال أبو الدرداء رضي الله عنه [يرزُق اللهُ العلمَ السعداءَ ويحرمُه الأشقياء] [2] .

ب) وأن العلم لايكون بالاكتساب فقط (أى بالطلب والتعلّم) بل لمن يفتح الله عليه، ودليل ذلك:* قوله صلى الله عليه وسلم (من يرد الله به خيرًا يُفقهه) ولم يقل (يتفقه) فنسب التفقيه إلى الله لا إلى كسب العبد، وإن كان كسب العبد (بالتعلم) سببا في ذلك.

• وقوله صلى الله عليه وسلم - في رواية البخاري - (وإنما أنا قاسم) أي للعلم مبلِّغ له (والله يعطى) أي يرزق الفقه لمن يشاء، فليس كل من بلغه قِسْم من علم النبي صلى الله عليه وسلم صار فقيها.

• ويؤيد هذا قوله تعالى (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) البقرة: 269، فثبت أن الحكمة إيتاء ووهب من الله تعالى. وروى ابن عبد البر عن مالك رحمه الله أنه قال: [الحكمة هي الفقه في دين الله] [3] .

• وروى ابن عبد البر عن الإمام مالك رحمه الله قال: [الحكمة والعلم نور يهدي به الله من يشاء وليس بكثرة المسائل] ، وعنه أيضا قال [إن العلم ليس بكثرة الرواية ولكنه نور جعله الله في القلوب] [4] .

ج) ويدل الحديث أيضا أن الرجل لايقال له فقيه إلا إذا عَمِلَ بما عَلِمَ فهذا الذي يصح أن يقال فيه (من يرد الله به خيرا) ، أما من عَلِمَ ولم يَعْمل بعلمه فمتعرض للذم والوعيد كما قال تعالى (أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) البقرة: 44، وقال تعالى (لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) الصف: 2 - 3، ولايجتمع المقت وإرادة الخير، فعُلم بذلك أن التفقه في الدين هو العلم والعمل به جميعًا. قال ابن القيم رحمه الله [ومن فَقَّهه في دينه فقد أراد به خيرًا إذا أريد بالفقه العلم المستلزم للعمل، وأما إن أريد به مجرد العلم فلا يدل على أن من فقه في الدين فقد أريد به خيرًا] [5] .

د) ويدل الحديث أيضا على أن الفقهاء حملة العلم العاملين به لن يزالوا في هذه الأمة حتى يأتي أمر الله، لقوله صلى الله عليه وسلم - في رواية البخاري - (ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله) الحديث. والقيام على أمر الله لايكون إلا بالاعتصام بالحق وبقاء حجة الله تعالى. وهذا يستلزم بقاء العلماء العاملين الصالحين، ومن هنا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه [لن تخلو الأرض من قائم لله بحجة] [6] .

(1) فتح الباري 1/ 165

(2) رواه ابن عبد البر (جامع بيان العلم) 1/ 57

(3) جامع بيان العلم 1/ 17

(4) جامع بيان العلم 2/ 25

(5) مفتاح دار السعادة 1/ 60

(6) (اعلام الموقعين، 4/ 150) و (الفقيه والمتفقه، 1/ 50)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت